خفايا الإسلاميين والإرهاب في سجون الجزائر: نماذج الظلاميين في أدغال الحراش – الحلقة الثانية

2010/03/29

خفايا الإسلاميين والإرهاب في سجون الجزائر: نماذج الظلاميين في أدغال الحراش - الحلقة الثانية

بقلم: أنور مالك/

من أجل تقريب الصورة إلى أذهان القراء نأخذ من باب التوضيح نموذجا منه نتعرف على أشياء كثيرة، والأمر يتعلق بالمؤسسة العقابية في الحراش والتي تعتبر من أكبر السجون في العاصمة الجزائرية ، حيث استقبلت آلاف المساجين الإسلاميين، خاصة في بداية التسعينيات لما شنّ النظام القائم حينها حملة واسعة ضد مناضلي جبهة الإنقاذ المحظورة (الفيس) بعد المواجهات الدامية التي شهدتها البلاد وأفرزت تشكيل جماعات وتنظيمات مسلحة من طرف هؤلاء، وقد تجاوز عددهم 2500 سجين حسب مصادر مطلعة.

يتوزعون في الجناح الأول والذي توجد به حوالي أربعين قاعة، وقد توارثوا من جيل إلى جيل الضوابط والطريقة التي يعيشون بها، على أساس أنها فتاوى شرعية ولها أدلتها الصحيحة من كبار طلاب العلم أو حتى شيوخ الحزب المحظور الذين مروا على السجون، ولا يسمح إطلاقا بتجاوزها أو نقدها مهما كانت مكانة الناقد العلمية والدينية، ولو ساق آلاف الأدلة من الكتاب والسنة وآراء السلف.

ونعود إلى السنة الأخيرة قبل العفو عن بعضهم في إطار القوانين التي شرّعها ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، وتعتبر هذه السنة مهمة في حياة الكثيرين خاصة أولئك الذين قضوا أكثر من عشر سنوات وفي أعناقهم أحكاما بينها الإعدام والمؤبد، إضافة إلى كل ذلك أننا عايشناهم عن قرب وكنا من نزلاء جناحهم وتقاسمنا معهم الفراش والطعام والشراب.

في سنة 2005 لم يبق بسجن الحراش إلا حوالي 300 سجين، يتوزعون على سبع قاعات وهي كالتالي: ((1C – 1B- 2A – 1bis A – 2bis A – 2bis B – 1A ، وتوزيع المساجين فيها يخضع إلى الخلافات العقائدية والمنهجية بينهم، وحسب ولائهم أيضا للجماعات المسلحة المرابطة في الجبال، كما تترك الإدارة لهم الحرية الكاملة في توزيع أنفسهم وبعضهم البعض، وذلك تفاديا للمواجهات والمشاكل التي لا يتأخرون في إشعال فتيلها ولأبسط الأسباب.

فتجد من يسمون أنفسهم بـ “السلفيين” وهم ممن يدينون بالمذهب السعودي المعروف بالوهابية ولكن يخضعونه لأطروحات جهادية متطرفة جرى تداولها في الثمانينات إبان الإحتلال السوفياتي لأفغانستان من العرابين للجهاد في أفغانستان، وكذلك تجد ممن ينضوون تحت جناح تيار الإخوان المسلمين أو حتى ما يعرف بتيار الجزأرة المناوئ لأطروحاتهم وهم من الذين صاروا جهاديين أيضا بعد تغلغلهم في “الفيس” برغم أسسهم التي تتخذ من المفكر العالمي مالك بن نبي مرجعية لها. وتجد التكفيريين من جماعة “الهجرة والتكفير” الموالين للتنظيم الأكثر دموية في الجزائر، كما تلمس وجود متشيعين لكن يمارسون التقية. وتجد في وسط هذا البعبع أشخاصا تم توريطهم من حيث لا يعلمون، فيخضعون لمنطق معين حسب القاعة التي يتم إيداعهم بها، فإن كانوا في جناح السلفيين فهم سلفيون وإن كانوا مع الجزأرة فهم كذلك، وإن نزلوا بقاعات الحق العام فلا يختلفون عنهم أبدا…

في الماضي كان الجناح بكامله يخضع لما يسمى بـ “إمارة السجن” وهي موالية للجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، حيث تتم مبايعة فرد يختارونه يكون أميرا للجميع وغالبا ما يكون من الأشخاص البارزين أو المعروفين بتطرفهم ضد كل ما يتعلق بالنظام، وطبعا الخضوع لهذه “الدولة المجازية” إجباري ومن خالف الأمر أو فكر في التمرد فقد عارض الله ويتعرض إلى عقوبات قاسية نتحدث عنها لاحقا في هذه المتابعة، والأمور تصل بعد التكفير إلى الإتهام بالخيانة والعمالة والجاسوسية ويقتل كما حدث عام 1995 حيث قتل المساجين زميلا لهم تحت التعذيب بتهمة الإنتماء للمخابرات، وهي أسهل التهم التي توزع من أجل التخلص من الخصوم أو ممن يشكلون عائقا ما في وجه الإمارة وحاشيتها. وبعد سنوات “تاب” القتلة وصاموا شهرين متتابعين بحجة أنهم ظلموه. وهو الذي حدث في صفوف الجماعات المسلحة التي صارت تتقاتل فيما بينها لمجرد الشبهة أو وشاية من غير بينة، وطبعا دوافع ذلك كلها تتعلق بالغنائم وريع الحرب والسطوة والنفوذ.

كما أن العاصي أو المخالف لمذهبهم السلفي الجهادي أو حتى التكفيري، يسلط عليه التعذيب عبر أساليب وحشية حتى يشرف على الهلاك ولا أحد يستطيع أن يتدخل لحمايته حتى الإدارة نفسها، كما حدث للدكتور مراد – ح مثلا والذي تعرض إلى ما لا يمكن تخيله بسبب الإشتباه في علاقات مع جهات ما في السلطة، وحدث لغيره ممن فقدوا أحد أطرافهم ويوجد من صار معاقا…

لكن الأمور إختلفت لاحقا بعدما طفا تيار “الجزأرة” للسطح وأسس تنظيمه المسلح “الجبهة الإسلامية للجهاد في الجزائر” المعروفة إختصارا بـ “الفيدا”، وكانت تستهدف المثقفين والصحفيين والمسؤولين والمشاهير، نذكر على سبيل المثال لا الحصر إغتيال الأستاذ الجامعي الدكتور جيلالي اليابس والصحفي الطاهر جاووت والصحفي عمر اورتيلان والصحفية خديجة دحماني والدكتور فليسي والمسرحي عبدالقادر علولة والمطرب الشاب حسني والشاب عزيز… الخ. والمعروف أن زعيم “الجزأرة” الروحي هو القيادي في الحزب المحظور بلقاسم الوناس وكنيته المشهورة محمد السعيد، وقد تمت تصفيته من طرف إمارة الجماعة الإسلامية المسلحة “الجيا” في أكتوبر 1994 التي كان يتزعمها أميرها الوطني جمال زيتوني الذي نفذ بنفسه حكم الموت بطريقة وحشية على غرار آخرين حسب روايات متواترة، وتوجد مصادر أخرى تذهب إلى أنه قتل رفقة رجام من طرف المدعو عماد وهو أمير كتيبة بوفاريك وبأمر من زيتوني، بعدما حكم عليهما بالكفر لإتباع تيار “الجزأرة”.

إمتدت الحرب القائمة بين “الجيا” و”الفيدا” إلى السجن، مما سبب متاعبا للموالين للجزأرة التي ينضوي تحت لوائها مثقفون وكوادر جامعية من الداخل أو حتى القادمة من كبريات الجامعات الأجنبية والغربية، وأصبحوا يتقاتلون بالعصي والقفف والصحون وعلب الدواء فضلا عن العضلات التي تمت تقويتها من ممارسة الرياضات المختلفة وبوسائل بدائية وذاتية.

وقد كان “أمير السجن” يأمر بتعذيبهم والتنكيل بهم من طرف عصبته التي يطلق عليها “جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” أو “الشرطة الإسلامية” في سجون أخرى، وهي مجموعة مساجين ممن يتسمون بالقوة العضلية والخشونة والغلظة، يقومون بحراسة سلطة الأمير وتنفيذ “أوامره المقدسة”، التي يعتقد أنها من صميم الدين الإسلامي بل أنها عصب التدين والوجود الإسلاموي عندهم، وشعارهم “الطاعة ولو جلد ظهرك”…

لما أصبح “الجزأريون” يشكلون مجموعة لا يستهان بها تدخلت إدارة السجن بضغط منهم، وأعطتهم قاعة خاصة وهي (1bis A) وصارت تعرف بـ ” قاعة الجزأرة “، بل غدت القاعة الوحيدة التي تخرج عن طوع إمارة السجن وسلطتها. حدثت الكثير من المحاولات الإنقلابية التي يطلقون عليها عمليات “الفتح المبين” من أجل إخضاع “قاعة الجزأرة” لسلطة “أمير السجن”، إلا أن نزلائها تصدوا لهم بقوة أسالت الدماء كثيرا. ومما رواه لنا السجين السابق الربيع – ب الذي كان نزيلا بقاعة “الجزأرة”، أن “إمارة السجن” تختار مجموعة قوية تهاجم القاعة تحت شعارات التكبير و”عليها نحيا وعليها نموت” المعروفة لدى مناضلي “الفيس”، وعلى مرأى الحراس الذين لا يتدخلون غالبا ربما دفعا لتمرد هؤلاء وإضراباتهم المزعجة أو لأوامر لها حسابات معينة. فيتصدى لهم نزلاء القاعة الذين يختارون بدورهم لمثل هذه الأمور، ويمنعونهم من الدخول والسيطرة على قاعتهم، وجرح الكثيرون وفقد آخرون أبصارهم أو أطرافهم في هذه الحرب المتوحشة التي تجري وفق منطق من الجهل الذي لا يمكن تخيله.

شهوة الإمارة وجنون الأمراء

البيعة واجبة في تصور هؤلاء، ويعتقدون أنه من مات وليست في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، وأكثر من كل ذلك يؤمنون أنه إن لم تتم بيعة أمير فقد وقعوا في معصية محرمة، ويتعرضون لسخط الله وغضبه… لذلك تجد في كل سجن تعلن إمارة، ويطلق عليها “إمارة السجن”، فضلا من أنهم يرفضون قانون إدارة السجون التي تلزم بتعيين مسؤول في كل القاعات يطلق عليه “الناظر”، وهذا الرفض مستمد من معتقداتهم، فهو يدخل في إطار “مخالفة أصحاب الجحيم”، وعقيدة الولاء والبراء التي هي من صميم تعاملهم مع الحراس وهذا الذي سوف نتحدث عنه لاحقا…

فإمارة السجن يحكمها سجين يطلق عليه “أمير السجن”، وهي درجة لا ينالها إلا من يظهر العلم الشرعي والالتزام بمنهج الجماعة في حربها على النظام أو ما يطلقون عليه لفظ “الطواغيت”، ويكون للأمير كما ذكرنا سابقا حاشيته يقومون بتأديب كل من تسول له نفسه عصيان الأمير أو الجهر بأفكار تمس منهجهم، وإن رأيتهم تجهزوا بألبسة وأحذية رياضية أو سراويل الجينز فتأكد أنه هناك من وصل حاله إلى مصير مشؤوم…

نعود إلى سجن الحراش الذي إتخذناه مثالا واقعيا على ما نحن بصدد الحديث فيه، ونرجع بالضبط للفترة التي سبقت العفو الذي بدأ تنفيذه مساء يوم السبت 04 مارس 2006، حيث كان توزيع القاعات على هؤلاء المتطرفين والغلاة كالتالي:

1-BIS-A: وهي “إمارة الجزأرة” ولها أمير مستقل يخضع لنظام توارثوه منذ تأسيس القاعة ولا تخضع إطلاقا لما يسمى “إمارة السجن”.

(2-BIS-A , 2-BIS-B , 1A, 2B) : وهي تشكل ما يسمى بـ “إمارة السجن”، حيث تخضع كلها لأمير يطلق عليه “أمير السجن”، ولكل قاعة أمير يطلق عليه “أمير القاعة”، وتخضع لضوابط أكثر تشددا من “إمارة الجزأرة”.

B 1: لا توجد بها إمارة بل يسيرها شخص يطلق عليه لفظ “الناظر” كما هو معمول به لدى الإدارة، وهي تتكون من المغضوب عليهم من باقي القاعات، أو حتى الأقل تدينا، حيث يباح لأفرادها التدخين في الساحات ومشاهدة الأفلام والمسلسلات لكن من دون صوت ويمنع رؤية النساء.

1C  : لها نفس نظام القاعة السابقة، ولكن يسمح التدخين في القاعة ومشاهدة التلفزيون مشاهدة مطلقة، وكل محرم في القاعات الأخرى مباح بها، حتى عدم ممارسة طقوس العبادة، الذي يعتبر جرما لا يغتفر لدى الإمارتين وقد يعرض مقترفه إلى إقامة حد القتل، لذلك يطلقون عليها من طرف القاعات الأخرى بما يرونه تنابزا قاعة “الحق العام”.

للتذكير أنه وقع جدل فقهي عن طبيعة الإمارة المعلنة، طالما أدى إلى صراعات لا تحمد عقباها بين المناهضين والمناصرين، ولكل واحد مذهبه وأدلته وإستنباطاته التي تحكم هواه وتقوي شوكته…

من جهة نجد يخلف شراطي وهو أحد زعماء جبهة الإنقاذ المحظورة، كان عضوا في مجلسها الشوري، قتل في أحداث سجن سركاجي الشهيرة التي وقعت في شهر فبراير من عام 1995، فقد أفتى هذا الأخير بأنها “إمارة شرعية” يخضع لها المساجين وفق ما استنبطه العلماء من الدين عن شروط الإمارة وقواعدها وإلتزامات الرعية نحوها. وعلى سبيل التنويه أنه من الفتاوى الغريبة لهذا الرجل، أنه أفتى بتحريم إرجاع الخبز الفائض لإدارة السجن من طرف نزلاء القاعات، وأوجب على الأمراء أن يأمروا بتفتيته إلى فتات ورميه في المراحيض حتى لا يستفيد منه “الطواغيت” حسب إعتقاده، وصار الإسلاميون يعملون بهذه الفتوى لسنوات عبر كامل سجون الجزائر.

أما في المقابل فنجد إبراهيم رحماني وكنيته “أبو حفص البليدي” وهو أحد المنظرين السابقين للفكر الجهادي وتم إغتياله شهر مارس 2004 من طرف عناصر مسلحة تابعة لـ “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” قبالة مسجد الشيخ العرباوي بالحراش الذي كان إماما له، وبأمر من أميرها الوطني نبيل صحراوي حيث كان وسيطا بين هذه التنظيمات والنظام من أجل المصالحة والحوار. فقد أفتى خلال تواجده بالسجن نفسه أنها إمارة أخرى إجتهد في تسميتها بـ “الإمارة التنظيمية” وهي تدخل في إطار البيعات الخاصة التي وردت نصوصها في الشرع مثل: بيعة الاثرة، بيعة الموت، بيعة عدم الشرك، بيعة الصلاة والزكاة، بيعة القول بالعدل، بيعة النصح لكل مسلم، بيعة الموت، بيعة الجهاد، بيعة النساء… الخ. لأنه لو تعلن “إمارة شرعية” فالواجب يقضي على الجميع مبايعتها حتى ممن هم خارج السجون، ويراها إمارة تنظيمية تحسب في إطار بيعات أخرى غير بيعة الإمامة والحكم، لأنها تهتم بحياة المساجين الإسلاميين ولها الشروط والقواعد نفسها التي للإمارة الشرعية، وواجب شرعا الإلتزام ببنود البيعة المتفق عليها بين المبايعين كالطاعة والوفاء… الخ.

ولقد ظلت “إمارة السجن” ترى نفسها “إمارة شرعية” لأنه لا يوجد في الشرع “إمارة تنظيمية”، بل هو مستحدث ومن بدع “الجزأرة” لا يقبلها الشارع أبدا فإما الشرع أو اللاشرع ولا توجد منطقة وسطى بينهما حسب معتقداتهم، حدث ذلك بالرغم من أن الذي إجتهد فيها هو “ابوحفص” المحسوب على السلفيين ومن التائبين الذين كانوا ينشطون تحت لواء “الجيا”، لكنه إستجاب لدعوة الوئام المدني عام 1999 وصار من العرابين للمصالحة…

أما “إمارة الجزأرة” فتراها تنظيمية وفق ما أفتى به الإمام المغتال، ولم تقبل على الإطلاق الخوض مجددا في هذا الأمر الذي صار من المسلمات ومن يرفضها عليه جمع متاعه ومغادرة القاعة. وننوه أيضا أنه ينسب لأبي حفص فتوى شهيرة في السجن تحرم أكل البصل إطلاقا، حيث ألف رسالة ظلت تتداول بين المساجين بمختلف توجهاتهم، ويطبق الأمراء بنودها بمرسوم يسمونه “ضابطة” في بعض الأحيان، وقد ساق فيها أدلة يراها حجة في تحريم أكل البصل ومن بين المبررات التي ساقها أن فيه إيذاء للغير ويثير الغرائز ويقوي الشهوة… الخ.

الشروق اليومي 29/03/2010

نسخة من الجريدة الورقية PDF

الحلقة الأولى

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom