خفايا الاسلاميين والارهاب في سجون الجزائر: بيعة في مزادات الأمراء – الحلقة الثالثة

2010/03/30

خفايا الاسلاميين والارهاب في سجون الجزائر: بيعة في مزادات الأمراء - الحلقة الثالثة

بقلم: أنور مالك/

تتم تسمية الأمير عن طريق “الإنتخاب” أو ما يسمونه بالشورى عندهم، في جلسة تشتهر بينهم بإسم “الحلقة العامة” يحضرها كل نزلاء القاعة المعنية، ويتم تعيين المترشحين للمنصب من طرف عناصر لها النفوذ وتشكل ما يسمى بـ “مجلس الشورى” أو “مجلس الأعيان” للأمير السابق الذي قد حول إلى سجن آخر أو أنقلب عليه أو أنه طلب الإعفاء وهذا يحدث في حالات نادرة. كما يشرف على إدارة الحلقة أحد عناصر هذا المجلس وغالبا ما يكون إمام القاعة أو أحد الذين يعتقد أنه من طلاب العلم الشرعي.

ينادى النزلاء للإجتماع ويمنع الغياب لأي سبب سوى من يسمح لهم لأعذار كالمرض الفتاك مثلا. بعد الحديث الديني والوعظي حول الإمارة وشروطها وواجباتها وقواعدها، يتم توزيع قصاصات ورقية عليهم، وكل عنصر يختار مرشحه المفضل، وبعدها تعاد القصاصات إلى مسير الجلسة الذي يقوم بالفرز مع شخص يساعده، والمرشح الذي يتحصل على أكثر الأصوات هو من تعلن بيعته حتى من طرف الآخرين الذين لم ينتخبوا عليه، وفي حال تعادل بين مرشحين يعاد الإنتخاب مجددا للإختيار بينهما في ما يعرف بـ “الدور الثاني” وهذا لا يحدث إلا نادرا.

يتقدم المرشح الفائز بوقار ليدير الحلقة العامة، مطأطئ الرأس غالبا كدليل على الإستحياء والتكليف الجسيم الذي لا يرضاه لنفسه لفرط تواضعه كما يريد أن يظهر للجميع، ويلقي كلمة تحريضية على الرسالة التي أوكلت له، وتحفيزية عن الضوابط التي سوف يواصل العمل بها لأجل الحفاظ على الإستقرار بين المساجين، ويدعوهم إلى الطاعة والتفاهم ونبذ العنف والخلافات الهامشية، كما يعيد الأسطوانة المعتادة عن خطر النظام والكفار واليهود والنصارى والطغاة… الخ. ثم يقوم بتعيين مجلسه للشورى الذي لا يختلف عن سابقه غالبا، وأيضا يقوم بإعادة تعيين أمراء آخرين أو يزكي السابقين، ويتمثلون في “أمير المطبخ” و”أمير النظافة” و”أمير المغسل” و”أمير الساحة” و”أمير المطالعة”…

ما ذكرناه يتعلق بـ “أمير القاعة” أما “أمير السجن” فيتم اختياره من طرف أمراء القاعات، سواء كان أحد منهم أو غالبا ما يكون آخرا لم يترشح لمنصب إمارة القاعة. وقد روي الكثير عن الويلات التي يقوم بها هؤلاء في إضطهاد الضعفاء وضربهم وتعزيرهم، وطالما حدثت صراعات بين أطراف وتكتلات تريد أن يكون الأمير منهم، لأن ذلك يوفر لهم الغطاء والحماية والمنعة والإستفادات المختلفة والمتوفرة كالأكل والراحة والقيلولة والتنقل بين القاعات.

ومما يرويه لنا السجين السابق ب – السعيد أنه مرة أتهم أحد المساجين بقضية أخلاقية، وتمثلت في التحرش الجنسي بأحد الشبان، وذلك لتلطيخه ومنعه من الترشح للإمارة نظرا لما يحظى به من التقدير بين عناصر القاعة، وآخرون يتهمون بالتجسس لصالح الإدارة… أما الشيخ فتحي – كما يطلقون عليه – وهو سجين سابق من الغرب الجزائري ويتمتع بسعة في العلم الشرعي، فقد عانى الأمرين من هؤلاء الأمراء الذين يخالفون الشرع ويحكمون بأهوائهم، فالظلم وضرب الناس والاتهام الباطل والأنانية هي طبعهم الذي توارثوه وجلبوه من الجبال وخاصة أن أغلب الأمراء هم من الإرهابيين الذي جرى توقيفهم من قبل مصالح الأمن. حتى أن أحد أمراء السجن الذين حكموا بالقبضة الحديدية وعذبوا الكثيرين بتهم الإنحراف عن الدين، لما أفرج عنه صار يعمل نادلا في حانة بقلب العاصمة، وآخر صار يهرب المخدرات وقبلها لما كان أميرا في السجن يجلد كل من يشتبه فيه تعاطي أقراص النوم التي يعطيها الطبيب النفساني، في حين هم يحرمونها على أساس أنها مخدر محرم.

أما السجين السابق حسين – ب فقد روى لنا ما كان يحدث له مع “إمارة السجن” وقد كان أميرا للمطبخ عندهم، حيث أنه رفض صناعة الأطباق الخاصة للأمير وحاشيته، أو تسليمهم البعض مما يحضره لهم أهاليهم خفية على خلاف الآخرين ممن يمنعون الإستفادة من قفف أهاليهم خارج نطاق ما شرعه الأمير. لذلك تعرض إلى مؤامرة وأتهم بالتكفير وأخرج من القاعة تحت الشتم والبصاق وغيره، ففضل أن يلتحق بـ “إمارة الجزأرة” التي كان أميرها حميد مباركي العون السابق والمتهم الرئيسي في مجزرة سجن سركاجي…

الإنقلابات والمؤامرات على الأمراء تحدث بكثرة فتجد الأمير لا يمكث إلا أسابيعا أو أشهرا ويتم تبديله بغيره ممن إستطاع أن ينسج خيوط مؤامرة التي غالبا ما تكون مقترنة بفضيحة. ويكون هذا المصير غالبا لما يرفض الأمير خدمة مصالح التكتلات النافذة في القاعات أو في السجن، وخاصة ما يسمى بـ “القضية الواحدة” التي عندما يكون عدد أفرادها كبيرا تفوق أحيانا الثلاثين متهما في قضية واحدة وهي ميزة الإسلاميين على خلاف مساجين الحق العام، فيشكلون بتلك العصبة اللوبي الذي يخضع لسلطته الأمير وكل الأمراء. وإن كانت “إمارة الجزأرة” متفتحة بعض الشيء فإن “إمارة السجن” متشددة إلى درجة جنونية، ويروي لنا السجين السابق ب – موسى أنه تدخل لإنقاذ شاب راحت شرطة الأمير تضربه من دون سبب مقنع سوى أنه صافح أحد حراس السجن الذين ينحدرون من مدينته ويعرفه معرفة جيدة بحكم علاقة المصاهرة التي تربطهم. فضرب موسى بدوره ضربا مبرحا وتم طرده من القاعة وفي وقت متأخر من الليل، ليستقبل في “إمارة الجزأرة” طبعا بعد المرور على الضابطة التي سنتحدث عنها، ونال الموافقة للعيش معهم نكاية في “إمارة السجن”… وللتذكير أن إدارة السجن ليست له أي سلطة عليهم سوى المناداة أو غلق الأبواب فقط.

ضوابط وفقه لا ماضي له

تخضع الإمارة في السجن لقوانين داخلية تسمى “الضوابط”، وقد شرعها الأوائل وتم توارثها عبر الأجيال المختلفة للمساجين الإسلاميين، ومن المحظور مطلقا تجاوزها لأنها غدت الميراث الذي يحرم تعدي حدودها الحمراء مهما كانت النوايا أو الأدلة حتى لو كانت نصوصا دينية وفتاوى كبار العلماء… في “إمارة السجن”  كما ذكرنا تعتبر الأكثر تشددا عبر كل السجون، فلها ضوابطها التي تميزها، فبالنسبة للدخول إليها والعيش بينهم فلا يمكن أن يتحقق لكل سجين راودته الرغبة في ذلك، فالشرط الأول هو توفر صفات معينة تبدأ من إظهار التدين المتشدد والمتطرف وقابلية الإنضباط بالقوانين، وأيضا يجب قبول كل عناصر الإمارة لهذا الشخص الذي يطلب الإلتحاق بهم، وتتم المشورة في “جلسة عامة” وإن عارض فرد واحد يتم رفض الطلب ومن دون معرفة حتى السبب الذي دفعه إلى ذلك الموقف، ولما تتم الموافقة فسيجد في إنتظاره الضوابط التي لا تحصى ولا تعد.

وهنا يجب أن ننبه إلى أمر هام أنه بالنسبة للوافد الجديد للسجن الذي يبعث من طرف الإدارة مباشرة إلى تلك القاعات، فإنه يتم قبوله مباشرة تفاديا للمواجهة مع مديرية المؤسسة ولكن يضعون أمامه لحظة دخوله كل الضوابط التي وجب أن يتحلى بها، وإلا يغادر القاعة بلا تردد لأنه لا يمكن التنازل عنها، وطبعا الوافد الجديد الذي كان تحت صدمة إيداعه السجن فضلا عن فترة قضاها تحت النظر لدى المصالح الأمنية، لا يجد سوى الرضوخ إلى الأمر الواقع.

الضوابط المتعارف عليها والتي يلقنونها لبعضهم البعض كأنها الكتاب المنزل تبدأ بالتدين والتمذهب بما يؤمنون به من تكفير للنظام والشعب والعلماء، وأيضا يرون أنه لا حل إلا الجهاد والقتال ووفق رؤى “الجماعة السلفية”، هذا على المستوى العقدي الذي لا يقبل النقاش أبدا. أما على مستوى الحياة العامة فتبدأ بالأكل الجماعي ولا يسمح لأي كان أن يعتزل ومبررهم أن الذئب يأكل من الشاة القاصية ويعرب الذئب في هذه الحالة ليس الشيطان كما هو معروف عند الجمهور بل الحراس والمخابرات على حد تخيلاتهم.

لقد خصصت زاوية من القاعة كمطبخ يشرف عليه ما يسمونه بـ “أمير المطبخ”، له طباخين يساعدونه في إعداد الوجبات، حيث يتم إعادة طبخ طعام الإدارة الذي يسمونه “طعام الطاغوت” وذلك بإضافة توابل حتى تتحسن وتصير شهية وقابلة للأكل، أو تسخين أكل الأهالي بواسطة ما يعرف عندهم بـ “الطومبو” ويصنع من صحون الألمنيوم وزيت الزيتون ومناديل الورق وبطريقة يتحول إلى موقد ويسهل أيضا دسه في أماكن لا تصل لها عيون الحراس أثناء التفتيش الأسبوعي المعتاد أو المفاجئ. أما في أيام الزيارة التي يختلف تنظيمها من سجن لآخر فيسكبون وجبات الإدارة بالمراحيض، ويوزعون بينهم ما يحضر من طرف العوائل. وتنظيم الزيارة يختلف من سجن لآخر ففي الحراش مثلا كانت مرتين في الأسبوع ثم حولت ليوم واحد.

السجين العائد من هذه الزيارة يمنع من فتح قفته أو الإطلاع عما فيها، يسلمها مباشرة للمطبخ، وتكون طعام الجميع خلال الأسبوع وفق تنظيم يشرف عليه “أمير المطبخ” وبرعاية “أمير القاعة” و”أمير الخدمات”، ولا يسلمونه إلا بعض الأغراض الخاصة كاللباس الداخلي  – مثلا – الذي يسمح إدخاله عبر القفف أما الألبسة الأخرى فلها يومها وطريقتها الخاصة. وهذا الأمر نفسه بالنسبة لـ “إمارة الجزأرة” وتختلف سوى في ما يتعلق بالفواكه أو الحلويات التي تعاد إلى صاحبها بعد أخذ قسط منها يوزع فيما بعد على النزلاء، الذين يتوزعون في جماعات يطلق عليها بلفظ محلي شهير “القرابة”… بالنسبة للقاعتين الأخريين الخارجتين عن قبضة الأمراء فكل شخص له مجموعته ولا يوجد شيء إسمه “عامة”، فكل شخص مسؤول على قفته وما يأتي به أهله…

في هذا الإطار يجب الإشارة إلى أن من أسباب التناحر بين الأمير والآخرين هو المطبخ وتوابعه، حيث تجد المقربين من “القيادة” لهم حظوظ أخرى ومميزات، تدفع الآخرين إلى النقد وهذا الذي يجر لهم الويل لأن الأمير مقدسا والحديث فيه من الممنوعات والمحرمات التي لا يسمح بها إطلاقا.

التنظيف يكون أسبوعيا ويشارك الجميع بلا إستثناء، ويوجد تنظيف يومي يقوم به أشخاص يسمح لهم الأمير بالبقاء في القاعة وعدم الخروج الإجباري للساحة، كما يوجد عند بعض القاعات الأخرى تنظيف يومي يقوم به ما يسمونه بالخدمات وأسبوعي يشارك فيه الجميع، أما نظام الزنازين فيختلف لأن كل زنزانة يتكفل به أصحابها ويوزعون الأدوار فيما بينهم…

وهنا نذكر أن “الخدمات” التي تقوم بالتنظيف بعد الوجبات وغسل الأواني والصحون، فتسير وفق ضابطة لا تختلف بين الجميع، حيث يقسم النزلاء إلى مجموعات تتكون من نزيلين في كل مجموعة، والخدمات مقسمة إلى خدمتين يوميا، “خدمات قاعة” وتتمثل في تحضير الموائد وتوزيع الأطباق بين المجموعات، وبعد الإنتهاء من الأكل يتم تنظيف القاعة وجمع الصحون والأواني في مكان أعد خصيصا لذلك، ثم يأتي دور المجموعة التي تسمى “خدمات المغسل” لتقوم بتنظيف الأواني. وهنا نذكر أن الأمير وأعضاء مجلس الشورى والمقربين منه والشيوخ العجزة والمرضى لا يؤدون هذه الخدمات، وقد نشبت مشاكل كبيرة في هذا الموضوع، حيث تجد بعض النزلاء يتميزون بالراحة لأنهم من الحاشية، ويختلق الأمير وحاشيته أعذارا يزعمون أنها “موانع شرعية” يبررون بها القرار، وهو الذي يقابل بالسخط لدى العامة ممن لا سلطة ولا قوة لهم. ويذكر بعض ممن عايشوا الجماعات المسلحة في الجبال أن الأمر نفسه يحدث وأخطر من ذلك بكثير فالمحتج يقابل بالذبح وليس بالعقوبة والتعزير كما في السجن.

الشروق اليومي 30/03/2010

نسخة من الجريدة الورقية PDF

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

Be Sociable, Share!

????????? (1)

تعليق واحد على “خفايا الاسلاميين والارهاب في سجون الجزائر: بيعة في مزادات الأمراء – الحلقة الثالثة”

  1. bern youness on 30 مارس, 2010 4:08 م

    super


Bottom