خفايا الإسلاميين والإرهاب في سجون الجزائر: محاكمات وعقوبات خارج مجال التغطية – الحلقة الخامسة

2010/04/02

خفايا الإسلاميين والإرهاب في سجون الجزائر: محاكمات وعقوبات خارج مجال التغطية - الحلقة الخامسة

بقلم: أنور مالك/

الحلقات الدينية والدروس والوعظ يوميا وبصفة دائمة، وكذلك ما يسونه “السمر” الذي تتخلله المسابقات الفكرية وحتى الرياضية والمتمثلة في المصارعة، أو المقابلات في كرة القدم وكرة اليد وحتى كرة السلة أحيانا والتي تجري في الساحة… أما الحلقات الدينية التي لعبت دورها في تجنيد مقاتلين فتتوزع ما بين دروس العقيدة ويتداول بين أيديهم كثيرا كتاب العقيدة الطحاوية وشرحها للعلامة محمد الصالح العثيمين وكذلك كتاب التوحيد لمحمد بن عبدالوهاب ومختلف الشروح التي تناولته، وهنا يجدون فرصتهم البارعة في تكفير النظام وتجنيد النزلاء بالسلفية الجهادية. وكذلك تتناول حلقاتهم قضايا الفقه وحفظ القرآن والحديث، وتجد المدرس يعطي تفاسيرا تناسب هواهم في التكفير والقتال ولا يمكن أن يحيد عن ذلك وإن وجد نفسه مضطرا فغالبا ما يتجاوز تلك الإشكالية بالتجاهل والسكوت.

أما السياسة فلا شأن لهم بها، بل يوجد بينهم من يقوم بتكفير جبهة الإنقاذ المحظورة وشيوخها بسبب الحزبية التي يرونها من المحظورات التي وقعوا فيها، وسمعت مرات متعددة توجيه التكفير لعباسي مدني ونائبه علي بن حاج. وكما لا يسمح لأي كان أن يتخلف عن الحلقات التي يطلق عليها “عامة”، وتوجد أخرى “خاصة” كتعليم قواعد الترتيل والتجويد أو جماعة يحفظون سويا القرآن أو يتعلمون النحو والإعراب، وهناك أيضا دروسا لمحو الأمية التي يتم تعليم بعض النزلاء الكتابة والقراءة.

بالنسبة للجرائد والصحف التي تحضرها الإدارة أو بإشتراك من طرف النزلاء أو حتى العوائل فالضابطة تلزم ومن دون الإطلاع عليها لحظة وصولها من الإدارة تسليمها لنزيل يسمى “أمير المطالعة” يكلفه “أمير القاعة”، فيأخذ قلما ويقوم بطمس وجوه صور الأشخاص أما النساء فتطمس كاملا، وتحذف المقالات التي لا يسمح بمطالعتها كالجنسية والفنية والأبراج وحتى الدينية التي تخالف منهجهم وغيرها، أيضا تقطع الصفحات المخصصة للإشهار مهما كان نوعه. أما بالنسبة للمشتركين فيمنع اشتراكهم في الصحف الفنية وحتى أخرى إخبارية ممن عرفت بمحاربة الجماعات المتطرفة كالشروق مثلا لأنها تشوش عليهم وتفسد أجندتهم، بل توجد قائمة يعدها “مجلس الشورى” للصحف المسموح بإقتنائها…

إحضار الكتب من مكتبة السجن أيضا له ضوابط فتمنع الكتب الروائية والقصصية والكتب الدينية لبعض العلماء كالشيخ يوسف القرضاوي والإمام محمد الغزالي والشيخ محمد سعيد رمضان البوطي وشيوخ السعودية المعاصرين ممن أفتوا ببطلان الجهاد الذي يزعمونه في الجزائر، وحتى دعاة الفضائيات من مثل عمرو خالد وغيرهم ممنوعون بسبب أنه لا باع لهم في العلم الشرعي وأصوله، ويوصفون بالممثلين الذين لا فرق بينهم وبين أولئك الذي أدوا أدوار العلماء في المسلسلات كالشافعي والأفغاني… الخ، أما الآخرون فهو بمثابة علماء الفتنة والضلال والبدع والخرافات والسلاطين على حسب مزاعمهم طبعا، وتسمعهم يرددون دوما مقولة تنسب للشيخ علي بن حاج الذي يصف هؤلاء بعلماء الصحون، في حين من نال رضاهم كالمقدسي وبن لادن والظواهري فيصفونهم بعلماء الثغور والسجون.

كما يمنع تعليق الصور في جدران القاعات حتى لو كانت لمناظر طبيعية، ولا يسمح لأي أحد منهم أن يطلب إحضار صور أبنائه، فذلك من الموبقات والفتن التي يعاقب عليها الأمير ويسوقون بعض النصوص الشرعية التي تذهب لتحريم الصور ولا يقبلون برأي يخالف ذلك مهما كان الأمر.

محاكمات للمساجين داخل السجن

ذكرنا على سبيل الإختصار بعض الضوابط التي يفرضها الإسلاميون في السجون على بعضهم البعض، كما اشرنا أيضا إلى أنه يتعرض للعقوبات كل من يخالف تلك الضوابط أو يعترض عليها أو يرتكب بعض المخالفات. وهنا نتحدث عن بعض العقوبات التي يشرعونها ويطبقونها بتطرف شديد كأنها نزلت وحيا من السماء، وخاصة بالنسبة لـ “إمارة السجن” التي تتشدد وأكثر راديكالية في الأمر، ولا تتساهل أبدا مهما كانت أسباب ودوافع تلك المخالفة…

تبدأ رحلة العقاب بإجتماع أعضاء ما يسمونه “مجلس الشورى” أو “مجلس الأعيان” في بعض السجون الأخرى، وذلك بساعة على الأقل لتدارس القضية المطروحة عليهم والإتفاق فيما بينهم على طريقة مواجهة الشخص المقصود. وبعدها ينادى على “المتهم” الذي لا خيار له سوى المثول بطيب خاطر ولو يرفض سيجبر بالقوة ولو تقيد يداه، ويجري الحديث الإنفرادي معه وتعريفه بمقرر إتهامه والأدلة التي يحوزون عليها التي غالبا ما تأتي عن طريق شهود، وهي التي تسمى “البينة” في فقههم. يدافع عن نفسه بإنكار أو نفي ما ينسب له، وطبعا ذلك لا يؤثر في مجرى الأمور لأن العقوبة أعدت سلفا.

تنتهي أطوار المحاكمة بعقد المجلس مشورة داخلية وتحت رئاسة الأمير وفي غياب “المتهم” الذي يطلب منه المغادرة وإنتظار بعض الوقت، ويتم الإتفاق النهائي بينهم على العقوبة التي ستسلط عليه، ثم بعدها يستدعى مجددا ويخبرونه بالعقوبة ولا خيار له طبعا إلا الإمتثال وإظهار الخضوع التام لها. وآخر محطة هو إعلان القرار في جلسة عامة أحيانا أو ما بعد الصلاة الجماعية حيث يقف الأمير ويخبرهم بما تقرر في “مجلس الشورى”، في حق المتهم الفلاني الذي بدوره يكون قد بدأ في تنفيذ الأمر.

العقوبات مختلفة وكثيرة ومتعددة وهي درجات تخضع لطبيعة الإتهام أو درجة غضب الأمير وحاشيته، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أبرز ما يتداول بينهم:

1-    التعزير: وهو مستوحى من التعزير المتعارف عليه في الفقه الإسلامي والذي تحكمه ضوابط دقيقة لا يمكن التساهل فيها أو التسرع في الحكم بها، إلا أنه عند الإسلاميين سواء في الجبال أو السجون تحكمه الأمزجة وأعراف وتقاليد صارت تتوارث فيما بينهم، وإن كانوا يحاولون تبرير ذلك بفتاوى على المقاس.

والتعزير عند هؤلاء يتمثل غالبا في الجلد وتختلف عدد الجلدات حسب العقوبة التي يقرها حكم المجلس، قد تصل أحيانا إلى 100 جلدة تنفذ على البطن أو الظهر وفي الجبال وصلت للدبر، وبسلك كهربائي سميك أحضر بطرق خاصة عن طريق عناصر الحق العام الذين يشتغلون في الورشات.

2-    الهجر: حيث يتم تسليطه على المعاقب، وذلك بمنع التحدث إليه أو مجالسته أو الأكل معه، وفق زمن محدد يعلن عنه يبدأ من ثلاثة أيام ويصل إلى 3 اشهر،  وقد روى لي الكثيرون ممن جالستهم أنه يوجد من هجر 9 أشهر كاملة من دون شفقة ولا رحمة، حتى بلغ به الحال إلى محاولة الإنتحار أو ما يشبه الجنون والمس. وكل من يخالف الحكم ويتجرأ على كسر ذلك الهجر فيتعرض هو بدوره إلى العقوبة ربما تكون أشد وخاصة في حال العود.

وتجدر الإشارة إلى أن عقوبة الهجر تستعمل كثيرا في إطار المؤامرة لعزل شخص مخالف في المنهج والمعتقد، وهذا حتى لا يتجرأ على نشر أفكاره وخاصة إن كان متمكنا من النصوص الشرعية.

3-    التأديب: وله أساليب مختلفة مثل الشتم والإهانة ولكنه غالبا ما يجري بالضرب المبرح وعلى مرأى المساجين الآخرين وحتى الحراس أحيانا، وقد نقل الكثيرون للمستشفيات وسببت لهم عاهات مستديمة، ويقوم بالتنفيذ العناصر التي تسمى بجماعة الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر التي هي عبارة عن شرطة مصغرة تحمي سطوة الأمير وتنفذ سلطته بالعصا الغليظة والعنف الدموي. وتشهد العملية تصفية الحسابات إلى حد لا يطاق.

4-    الخدمات: وتتمثل في أداء خدمات في القاعة أو الساحة، كغسل الأواني وتنظيف القاعات ودورات المياه،  لمدة زمنية محددة تبدأ من أسبوع وتصل أحيانا إلى شهر كامل، ولكن يوجد من عوقب بثلاثة أشهر خدمات حتى كاد أن يفقد عقله بسبب ما عاناه من ضغط نفسي ومعنوي وإحساس رهيب بالإذلال والإهانة التي لا يمكن الصبر عليها إطلاقا، وخاصة عندما يجد نفسه يغسل أغراض الأمير ولباسه الداخلي أحيانا.

5-   الحرمان: وهو منع السجين المتهم من ممارسة أشياء معينة ومحددة، كأن يحرم من زيارة الأهل والأقارب حتى وإن جاءوا من أبعد المدن وقطعوا مئات الأميال، أو يمنع من ممارسة الرياضة أو الأكل من مطبخ الإمارة، ويحتم عليه الأكل من ما يسمونه “طعام الطاغوت” ومن دون التعديلات التي تجرى عليه. وطبعا يتعمدون إفساده بطريقة مقززة عن طريق رمي الأوساخ والفضلات وحتى البصق فيه.

6-    العبادات: وهي عقوبة غريبة لم نعثر لها على أثر في الكتاب ولا السنة، والأكثر من كل ذلك أنه لا يمكن إعتبار العبادات عقوبات أبدا، إلا أن هؤلاء يجيزون كل ماهو متاح بين أيديهم ولو خالف النصوص الصريحة والواضحة، حيث يعاقبون المساجين بإجبارهم كرها على ممارسة عبادة معينة كقيام الليل لمدة محددة أو صلاة النوافل أو صيام أيام يحددها مجلس الشورى، وكذلك نجد الإجبار على حفظ أحزاب أو جزء من القرآن الكريم أو عدد معين من الأحاديث النبوية مع أسانيدها ورواتها ورواياتها المتعددة، وهذا يعاني منه كثيرا كبار السن أو الذين لا يحسنون القراءة والكتابة.

7-    الرباط: وهذا يتعلق بـ “إمارة السجن” حيث يعاقب السجين المغضوب عليه بالرباط الليل كاملا لمدة أسبوع أو أكثر، حسب ما يشرعه مجلس الشورى طبعا، وفي النهار يحرم من البقاء في القاعة للنوم، كما يمنع من التمدد في الساحة لذلك تجده ينام جالسا في ركن لدقائق يستغلها لأنه غالبا ما يتعمدون إزعاجه بجلسات عامة في الساحة أو حلقات دينية إجبارية أو يكلف بخدمات أخرى وهكذا يصاب بإنهيار لا مثيل له بحرمانه من النوم لأسبوع وبينهم من يسقط مغشيا عليه وينقل للعيادة في حال يرثى لها.

8-    الطرد: وهو طرد المخالف والمعاقب من القاعة أو الزنزانة التي يتواجد بها وترمى له أغراضه خارجها، وهذا الذي يتكرر كثيرا في كل السجون، يحدث ذلك بعدما يتعرض طبعا للتأديب المشار إليه سابقا وحينما يرفض الإنصياع للأوامر ويكون قوي البنية ممن يخشى من رد فعلهم يشرعون الطرد لتفادي المواجهة معه. وأحيانا يقع ذلك في ساعة متأخرة من الليل بعدما يجبرون طاقم الخفارة على فتح الباب.

9-    إعلان التوبة: تحدث هذه كثيرا عندما يتعلق الأمر بمخالفات عقدية ودينية وهي تلك التي لا تتماشى وسلفيتهم الجهادية، فقد رأيت أحدهم أجبر على التوبة وإعلانها بسبب مصافحته لحارس سجن، ورأيت من أجبر على الدخول مجددا في الإسلام بعد الغسل لأنه ذكر المدعو عبدالمالك درودكال بما يسيء والتهمة طبعا هي التعدي والمساس بأعراض من يسمونهم “المجاهدين”.

الشروق اليومي 02/04/2010

نسخة من الجريدة الورقية PDF

الحلقات السابقة:

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة

الحلقة الرابعة

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom