أنور مالك في حوار مطول مع جريدة “الخبر” الأسبوعية المغربية حول قضايا العرب المصيرية
2010/05/10
حاوره: عبدالجليل أدريوش/
خص الكاتب الصحفي والباحث الجزائري المعروف أنور مالك جريدتنا الخبر بحوار مطول ساخن تطرق فيه لأبرز قضايا الساعة، وفي مايلي نص الحوار:
1* من هو أنور مالك ؟
مواطن من الجزائر بلد الشهداء والثورة والتاريخ، إبن عائلة ثورية عريقة ساقته أقداره أن يكون شاهدا على مرحلة حاسمة من عمر هذا البلد الرائع والجميل ومن خلال نافذة أتيحت له عبر المؤسسة العسكرية وفي أحلك المراحل التي عاشتها البلاد،
وهاهو اليوم يناضل بقلمه وحبره ودمه من أجل الحفاظ على مكسب عظيم يستحيل التنازل عنه إسمه الجزائر، ويتصدى لكل المتآمرين سواء في الداخل أو الخارج عن طريق العمل الصحفي والكتابة فقط.
2* ما هي إصدارات الكاتب الصحفي والباحث الجزائري أنور مالك؟
أنا منكب حاليا على تنقيح سلسلة حلقات كتبتها من قبل عن “خفايا الإسلاميين في سجون الجزائر” والتي تفردت يومية الشروق الجزائرية في نشرها عبر عدة حلقات، وسأصدرها إن شاء الله في كتاب ومترجم للغتين الفرنسية والإنجليزية، حيث سيعكف أحد أدباء الجزائر الكبار الذين يعيشون في المهجر على ترجمتها، وهذا حتى تكون مصدرا في تناول ظاهرة السجون التي خفيت على الكثيرين. كما لا يخفى عليكم أنني أصدرت كتاب “طوفان الفساد وزحف بن لادن في الجزائر” من دار نشر في القاهرة في فيفري 2009 ولكن مصالح أمن الدولة هناك تدخلت وصادرته، حدث ذلك قبل أن تندلع الأزمة بين الجزائر والقاهرة، ولكن جرى الإتصال بي في الآونة الأخيرة وفي عزّ التحامل على تاريخ الجزائر وشعبها من طرف مرتزقة الإعلام المصري، وهذا من أجل إعادة طبع الكتاب ونشره ولكنني رفضت لأنه لا يمكن أن أقبل أبدا نشر كتابي الذي يتناول شؤون الجزائر ليتخذ ذريعة من طرف إعلام منحرف هدفه ليس كتابي بل الإساءة لبلدي وتصفية حسابات وهو الذي أرفضه ما دمت حيا أرزق. فلا يعقل أبدا أن أنشر كتابا تحتفي به وسائل إعلام مصر وأتحالف مع من تورط في الإساءة للشعب والثورة والتاريخ. والله لن أفعلها ولو تعرض علي كنوز الدنيا.
3* هل يعني هذا أن سبب مقالاتك الساخنة والمثيرة للجدل ضد مصر هو مصادرة كتابك؟
لا أبدا فعندما يتحول الكاتب إلى ذلك الشخص الذي يصفي الحسابات ويغتنم الفرص لأجلها، فهذا أكبر إساءة للكتابة والعمل الصحافي النزيه والمحترف. أنا إنتفضت ضد من أساء للتاريخ والثورة وحتى نظام بلدي، صحيح أنني أنتقد سياسة هذا النظام وأكشف الكثير من خفايا المسؤولين وفسادهم وظلمهم، أفعل ذلك كجزائري وأعشق بلدي حتى النخاع وأتطلع لمستقبل أفضل لشعب هو حفيد الشهداء وصانع نصر تاريخي إحمرّت له خدود الأمة في زمن الهزائم والإنكسارات. ولكن أن يأتي أجنبي ويتطاول على بلدي وحكومتها فهو الذي أرفضه، فوالله عندما تجرأ المصريون وأقصد طبعا النظام ومن يواليه على الجزائر فمستعد أن أقطع لسان زعيمهم الأول إن تجرأ على رئيس بلدي.
البعض يتحامل علي بسبب إستغلال الأزمة لأجل ما وصفوه بمحاولة مني لتصحيح مسار العلاقة مع النظام القائم، فحتى لو قمت بإستغلال ذلك وإرتميت في أحضان الإعلام المصري كما طلب مني بعضهم ورفضت طبعا، لقيل أنني استغل الأزمة لتصفية حسابات قد يصفونها بالشخصية مع النظام الجزائري. أقول لك لو بقي الأمر في إطاره الكروي أو حتى خلاف بين النظامين الحاكمين لكان لي شأن آخر. ولكن أن يتعلق الأمر بالثورة التي أقدسها والشهداء الذين أتطرف في حبهم فدعهم يصفونني حتى بالجنون، وأن أسب من أجل جدي الشهيد وإخوانه من كرماء الجزائر فذلك وسام على صدري، مادمت أرى ألق الفرحة في عيون أبناء وبنات الشهداء.
راسلتني مؤخرا فتاة جزائرية بعدما نشرت مقالا في الشروق تحت عنوان “تبا لدنيا أمها مصر” وراحت تصف لي فرحة والدتها التي هي إبنة شهيد لم تراه لأنه أستشهد وهي في أسبوعها الأول، جعلتني أبكي من الفرحة لأنني إستطعت أن أسعد إبنة شهيد بسطور إنتصرت فيها للشهداء الذي هم عند ربهم يرزقون ومن حقهم علينا أن نرد كيد كل من يتجرأ عليهم وإن لم نفعل فلا نستحق إلا الرجم في أماكن عمومية.
4* على ذكر جريدة الشروق البعض ينتقد كتاباتك في هذه الصحيفة التي صارت واجهة النظام في الجزائر، فما تعليقك؟
أولا أنا أستكتب في مواقع وصحف أخرى بينها المغربية أيضا على غرار “مرايا بريس” وأسبوعية “الصحراء”، وثانيا هذا كلام فارغ وإتهامات تصدرها أطراف لا تتقن إلا الإصطياد في المياه العكرة، “الشروق اليومي” صارت جريدة كل الجزائريين أحب من أحب أو كره من كره. وأقول لكم شيئا أن مديرها السيد علي فضيل من أطيب الذين عرفتهم في حياتي، ومعرفتي بالرجل كإعلامي ليست وليدة الأمس بل كان مطلع التسعينيات وكانت لي كتابات في صحفه السابقة بينها “الشروق الثقافي”. وأحترم فيه مثابرته وعمله الدؤوب وسهره من أجل إنجاح صحيفته المستقلة وليست التابعة للنظام أقول هذا بحكم معرفتي لأشياء كثيرة ليس وقتها.
أنا أكتب في جريدة كل الجزائريين وأريد أن يصل صوتي لهم، وقد لاحظت أنه عندما أنشر مقالا فيها أجد صداه يفوق أكبر البرامج التي شاركت فيها حتى على قناة “الجزيرة” نفسها. أمر آخر أنا كاتب وصحافي ولست زعيم حزب أو معارض سياسي تحسب علي خطواتي بهذه الطريقة، والكاتب لا يتردد أبدا في تبليغ صوته ورؤيته في أي منبر يتاح له. والشروق هي صحيفة أتاحت لي هذه الفرصة بالرغم من كل هذا البهتان، وأكثر من ذلك أن مديرها علي فضيل دوما يتواصل معي ويؤكد على أنه لي كامل الحرية في نشر ما أريد ولن يتدخل مطلقا في رفض أي شيء أعبر عنه، وهذا أمر رائع وجميل.
أما من ينتقدونني فأقسم لك أن أغلبهم بل جلّهم يتمنون أن تتاح لهم فرصة ذكر أسمائهم في صفحة التهاني أو حتى الوفيات على الجريدة الأولى مغاربيا وعربيا وليس جزائريا فقط، بل يوجد من يذهب لمنتدى الشروق حتى يروج لبضاعته الكاسدة وتحت أسماء وهمية وبإسمه الحقيقي تجده يسب الشروق ويصفها بجريدة الجنرال توفيق، وصراحة لو أن الجنرال توفيق هو صاحب هذه الجريدة أو غيرها فيستحق كل الإحترام والتقدير، فقد أثبت أن جنرالات الجزائر مثقفون وإعلاميون يفهمون نبض الشارع إلى درجة كبيرة. أما المنتقدون فقد فشلوا أن يصنعوا موقعا إلكترونيا يزوره 200 جزائري يوميا، في حين هذه الصحف يزورها الملايين فهل أجبرت المخابرات كما يزعمون هؤلاء على فتح الموقع وقراءته؟ أعداء النجاح كثيرون ومترصدون دوما وخير رد عليهم هو التألق المتتالي. كفانا من المزايدات والكيل بمكيالين وتتبع عورات الناس من دون هدف يذكر، وهذا الذي جعل معارضاتنا العربية مجرد جعجعة في طحين لا تسمن ولا تغني من جوع.
5* طيب ، ما قراءتك للأوضاع السياسية العربية ؟
الأوضاع السياسية العربية سيئة للغاية فهي تعيش التشتت والتضارب بين جناح يوصف بالممانع وآخر بالمهادن فضلا عن جناح لا يمكن تجاهله وهو عميل للغرب والصهاينة بإمتياز تحت الزعامة المصرية. الأوضاع حقيقة لا تدعو للتفاؤل من حيث علاقات الشعوب بأنظمتها ومن حيث علاقات الأقطار العربية فيما بينها ومن حيث العلاقات أيضا مع الغرب عموما. أعتقد أن السبب الحقيقي هو الهوة الشاسعة ما بين الشعوب والحكام، فلم نجد نظاما واحدا هو بالفعل يعبر عن واقع هذه الشعوب ويعكسها في بلورة سياسة تخدم المصالح وتجلب المنافع وتدفع الأضرار. ولا يقتصر الأمر على الحكام فقط فحتى الشعوب بلغ بها الإستخفاف إلى حد الطاعة العمياء والإبتذال، وهو بحد ذاته ما يعكس صورة قاتمة عن واقع هذه الأوضاع السياسية المهترئة والتي تعكس سلبياتها على واقع إقتصادي مر وإجتماعي مشوه وعلمي متخلف وإيديولوجي متعفن.
6* أين تتجه الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد العربية؟
بلا شك مادامت الأمور التي نعيشها اليوم هي أسوأ مما مضى، ومادمنا لم نلمس أي مؤشرات يمكن أن نبالغ في التفاؤل، فإننا نؤكد على أن الأوضاع السياسية تتجه نحو التعفن فقد تزداد الهوة بين بعض الأقطار بسبب سرطان العمالة الذي ينخر جسد بعض الأنظمة، كما سنشهد إنقلابات عسكرية فيها الذي ينجح وفيها الذي سيسقط في حبائل شركه. كما سنشهد تقسيم أقطار عربية إلى دويلات لا تنش الذباب عن وجهها، فالأمر بدأ بالسودان وسيمر لليمن وسيلحق ببعض الأقطار المغربية وعلى رأسها الجزائر بوزنها السياسي والتاريخي والإقتصادي في المنطقة. فضلا من كل ذلك أن البلدان العربية الكبرى ستكون محل مؤامرات التفتيت والتقسيم والتي نراها توزع بطريقة مدروسة للغاية ووفق أجندة إستخباراتية أنكب على رسمها في مخابر الظل التي يحركها اللوبي الصهيوني بإمتياز. أما بالنسبة للأوضاع الأمنية فنحن نرى أخطبوط ما يسمى القاعدة الذي يتنطط من مكان إلى مكان ووفق ما يرسم له طبعا، فقد ظهر في أفغانستان حتى دمرها الغزو الأنجلو امريكي، ثم لا تزال ترابط في باكستان وهي الدولة النووية المسلمة وبلا شك لن تغادرها حتى يتحقق تدمير كيان الدولة. ظهرت في العراق المحتل ثم عادت أدراجها نحو السعودية لفترة حتى رضخت البلاد لضغوطات كثيرة وصارت من العرابين لدول الحوار تحت تحالف مصري أردني لا يرعى إلا مخططات التطبيع والتسوية وفق ما يخدم الكيان الصهيوني. والآن تنشط في اليمن تحت ظل حراك جنوبي وحرب شرسة على الحوثيين وعندما يتحقق مخطط التقسيم المبرمج سنجد هذه القاعدة تتجه نحو مصر ومنه إلى فلسطين ليكون مبررا لأطروحات ماكرة ستجر الوبال على الفلسطينيين حتما. حتى تواجدها في الجزائر الذي أخفق إخفاقا ذريعا بسبب الهبة الشعبية العارمة التي تحارب الإرهاب وهو أحد ما يكرهه الجزائريون إلى جانب الشيطان وفرنسا واليهود. زحفت نحو الساحل الإفريقي ومنه ستأتي مراحل أخرى وبلا شك لا تخدم إلا الأطروحات الأمريكية التي تريد بسط هيمنتها المطلقة على مصادر الخيرات في كل أنحاء العالم. الأوضاع يا سيدي الفاضل تتجه نحو التعفن إلا لم تستفق قياداتنا السياسية وتعيد قراءتها للواقع وفق رؤى صادقة وليس ما يحمله المستشارون في تقاريرهم المزخرفة والمنافقة، والذين لا يريدون إلا الحفاظ على نفوذهم ومكاسبهم.
7* هل يمكن أن ننتظر تغييرات كبرى في بعض الدول العربية .. مصر، الجزائر مثلا؟
كما قلت سابقا أن التغييرات غير ممكنة حاليا في الدول العربية عامة لأن التغيير يأتي أغلبه من القاعدة الشعبية وأرى هذه القواعد غير مستعدة الآن للمغامرة بغد مجهول الملامح فضلا من أن المعارضات التي هي من المفروض صاحبة المبادرة لتكون ربان سفينة التغيير لا تملك معطيات ولا آفاق تدفع الشعوب أن تطمئن إليها وتناصرها. ذكرتم الجزائر في سؤالكم، فقد جرت محاولة التغيير مطلع التسعينيات فترى ما الذي جناه الشعب الجزائري من تلك المحاولة الديمقراطية؟ أكيد الجميع يعرف المأساة التي عاشتها البلاد بسبب الإرهاب وفساد وتآمر أطراف في النظام. أؤكد أن الجزائر مقبلة على تغيير من داخل مؤسسات الحكم نفسها وليس من خارجها، فالنظام إستطاع أن يرسي أركانه ويجعل من المعارضة مسخرة والأهم من ذلك أن الشعب الجزائري لا يمكنه أن يغامر مرة أخرى على الأقل إلى غاية 2030، وخاصة في غياب بدائل فعلية لديها الرؤية الناضجة والواعية والمتأصلة في الصفوف الشعبية وليس تلك الآتية من الإقامات الأمنية أو من الصالونات المكيفة أو من أستديوهات ومخابز لندن. بالنسبة لمصر فهي تعيش مخاض عسير لكنه لن يصل إلى مبتغى التغيير بل ستصل لتوريث الأب لإبنه، وهو الذي قد يتأجل بعض الشيء لحسابات محلية وإقليمية ولكن لا يستبعد إطلاقا مادمنا نلاحظ مدى سيطرة أبناء مبارك على مقاليد الحزب الحاكم ونفوذهم القوي في دنيا المال والأعمال. الشعب المصري برغم ما نسمع ونقرأ أراه في مرحلة البحث عن لقمة عيشه وقارورات الغاز التي طارت للسماء، والشعب إن وصل به الإذلال لهذا الحد فإما ينتفض ثورة تدمر البلد وتقسمها أو يسكت إلى أن يأتي التغيير من عند الله. أقولها صراحة مصر تورطت في الدم الفلسطيني وتورطت في مخابر الموساد الخفية فأن تخرج منها بما يخدم شعبها فتأكد أن مصيرها سيكون أتعس مما يمكن تخيله، وإن بقي الحال على الوضع هذا فسيؤول أمرها أيضا إلى مجرد مقاطعة إسرائيلية بإمتياز تقبر فيها النفايات النووية والآدمية فقط.
8* هل ستندلع حرب بين العرب وإيران من جهة وإسرائيل من جهة ثانية ؟ ..ماذا ستكون النتيجة ؟
أعتقد أن العرب لا يمكنهم الدخول لأي حرب أبدا وأنا أرى أنه هناك أقطار عربية أخرى مهددة بالإحتلال مستقبلا. بالنسبة لإيران أيضا لن تدخل في حرب مباشرة ولكن لا استبعد حرب خاطفة بالوكالة يقودها حزب الله اللبناني مرة أخرى. والإعتبارات الأمنية والإستراتيجية والعسكرية كثيرة ولا يمكن حصرها، وأهمها أن أمريكا في ظل مستنقع العراق لن تسمح بحرب أخرى في المنطقة حتى تصل لحل يحفظ لها ماء الوجه في بلاد الرافدين. ولكن عموما أن المنطقة تتقلب على صفيح ساخن قد ينذر بالمفاجآت ونتائج سلبية وخطيرة للغاية.
9* ما مستقبل الأصولية الإسلامية ؟
لدي تحفظ على مصطلح “الأصولية الإسلامية” لأن إلحاق الأصولية بالإسلام مباشرة هو تجني على دين التسامح والرحمة والعدل، فالأصولية هي الأصولية قد تلون بحسب ما يخدم مصالحها فهي تظهر بثوب إسلامي من أجل تأكيد صلاحيتها في العالم الإسلامي، وتظهر بثوب يهودي لأجل تقوية وجودها لدى هذه الطائفة، وتظهر في ثوب مسيحي حتى تقوى شوكتها في الغرب، كما تظهر في أشكال وألوان مختلفة، وهدفها الكلي والجامع هم تدمير روح الإنسانية والتسامح في عالم البشر.
بالنسبة لتلك التي تتخذ من الإسلام وسيلة فإن مستقبلها كتلك الحركات المتطرفة التي ظهرت عبر التاريخ الإسلامي وكان مصيرها مزابل التاريخ حتما. ففكر الخوارج يتجدد في كل عصر وفق رؤى تتماشى وبعض التصورات التي تفرض وجودها على العقل البشري المسلم، ولكن بلا شك سيكون مصيرها النهاية المشؤومة. وكما نعلم أن الأصولية تجلت في زمننا هذا في ثوب السلفية الجهادية وفكر القاعدة الذي ينتجه عقل بن لادن والحمقى الغلاة ممن يلبسونه برنوس القداسة والمهابة، وفي الوقت نفسه تشجعه أطراف لها مصلحة في التدخل الغربي لمحاصرة فكر المقاومة المشروعة ومن بين أبرز المستفيدين من هذا الأمر الكيان الصهيوني الغاصب.
في إعتقادي أنه لا مستقبل لهذه الأصولية مهما كان لونها سواء وجدت في الشرق أو الغرب، مادامت تريد تدمير الذات الإنسانية وتبرر العدوان والظلم والإحتلال ومصادرة حريات الآخرين.
10* لماذا لم تحدث ثورات كبرى في البلدان العربية كما وقع في أوروبا ؟
صراحة أن الإجابة عن هذا السؤال موجودة في ثنايا حديثي سابقا، فالشعوب العربية صارت تخشى المفاجآت والمغامرة في ظل تجارب سيئة للغاية مثل ما جرى في الجزائر لما تحول دعاة التغيير إلى قتلى ومجرمين ودفع الثمن الشعب البسيط الذي كان يريد تحسين ظروفه. كما أن الديمقراطية جرت الوبال على العراق فملايين المشردين والضحايا واليتامى والمعاقين والنازحين واللاجئين… الخ، بسبب مخطط التغيير الذي رسمه عملاء هدفهم الوصول للسلطة فقط.
الشعوب العربية تريد ثورات بناء وتكوين وصناعة الغد المشرق وليس ثورات تدمير وعنف وإرهاب، والبدائل المطروحة حاليا التي لا ترقى إلى أن تكون محل نظر ومناصرة هي السبب الحقيقي في عدم تحقيق ثورات تغيير لكن يجب ان تكون مدنية وليست مسلحة لن تجر إلا الخراب على خراب آخر كان محل سخط. أمر آخر أن الشعوب العربية صارت تعاني في مستوى الوعي السياسي والوطني والحركي أيضا، فعندما تتجه نحو التغيير تتخذ من عقلية إبادة الآخر هو الهدف والغاية، وطبعا الإبادة لن تحقق مصلحة ومنفعة بل ستصل بالبلاد إلى الدمار والدم. وتوجد أسباب كثيرة وموضوعية في تغلغل هذا التفكير، وتتحمل الطبقات المثقفة المسؤولية كما تتحملها الأنظمة وحتى المؤسسات الدينية التي لم تلعب دورا تنويريا ورياديا بل لعبت دورا خرافيا وجعلت من الدين ليس ذلك المحرك الذي يخدم الإنسان والإنسانية بل مجرد طقوس غيبية لا تمت بصلة لأرض الواقع.
11* كيف تنظر إلى الأوضاع في المغرب؟
الأوضاع في المغرب لا تختلف عن الأوضاع في البلدان المغاربية الأخرى، وإن كانت لكل قطر خصوصيته السياسية والجغرافية والإقتصادية وحتى الشعبية في بعض الأطر. بلا شك لمست في زيارتي الأخيرة للمغرب إرادة تتبلور فعليا من أجل إحداث القطيعة مع ماضي بلا شك يبقى السخط يلاحقه لدى شرائح واسعة من المجتمع، وتحاول بطريقة ما الإتجاه نحو غد آخر في إطار تشبيب الرؤية السياسية ومنظومة الحكم. إلا أن النقائص كثيرة جدا، وأخطرها هو مما أراه لا يزال متواصلا ويتعلق بإستحواذ فئات معينة على ريع الحكم وإمتيازاته في حين أرى إقصاء متعمد لطاقات حية لو تتاح لها الفرصة لصنعت المعجزات. الذي نريده دوما هو تكافؤ الفرص وتمكين الكل وبعدل من خيرات البلد والإهتمام الصادق بالطبقات المحرومة التي نرى دائرتها تتوسع كثيرا في العالم العربي، وهذا الأمر بلا شك سيضر بإستقرار البلد ومستقبلها.
12* ما رؤيتك لمسألة الصحراء والعلاقة بين المغرب والجزائر ؟
ما سميتها بمسألة الصحراء هي من أعقد الملفات التي تواجه المغرب وتواجه المنطقة المغاربية كما تواجه أيضا المجتمع الدولي، ومما يزيدها تعقيدا هو لغة التآمر المفضوح بين جميع الأطراف وإبعاد الصحراويين فعليا من قضيتهم الأولى سواء عن طريق المزايدات السياسية أو بالتعتيم الإعلامي أو بالتشويه أو بالوصاية المزعومة والمفبركة وحتى المتسلطة أحيانا. أرى أنه من الأهم الآن هو إستعادة الصحراوي لذاته وكينونته وفق ما يخدم مصلحته وليس ما يخدم أطراف تبزنس بشعارات فضفاضة ورنانة وطنانة. وأعتقد أن الأمور برغم محاولات حلحلة المسألة وحلّ مجاهيلها سواء من طرف المغرب الذي هو العمود الفقري فيها أو المنظومة الدولية التي هي الإطار الشرعي الذي من المفروض أن يكون عادلا ولا ينط على الحبال وفق المصالح الآنية والذاتية المفرطة. أو حتى البوليساريو التي تراهن على أوراق كثيرة من بينها الدعم الجزائري القوي نحو ما يخدم أطروحتها القاضية بصناعة كيان سادس في المنطقة المغاربية.
بالنسبة للعلاقات بين الجزائر والمغرب فهي ليست على ما يرام إطلاقا، وما يتلفظ به الساسة سواء جاء في إطار الغزل السياسي والدبلوماسي أو ما ورد في إطار تصعيد الفعل ورد الفعل أحيانا، هي مجرد سفسفطة تحكمها الذاتية والآنية المصلحية فقط.
الحدود البرية مغلقة، الجزائر لا تملك سفيرا في الرباط مهما كان السبب، الحوار يخضع للشد والمد بين المسؤولين وحتى أطياف المجتمع المدني. والرهان على أن تكون العلاقات الرسمية طبيعية وإن كانت العلاقات بين الشعبين هي في أرقى صورها ومعانيها، هو رهان فاشل وخاسر في ظل إستمرار التناقض الكامل والشامل في الموقف من قضية الصحراء الغربية، ولا يمكن حلحلة الأمور وإعادتها لنصابها الطيب إلا ببلورة رؤية متكاملة وعادلة تخدم الوحدة المغاربية والتاريخ المشترك بين هذه الشعوب التي أبتليت بحكام من هذه الطينة.
13* كيف تنظر إلى سيناريو الحرب الذي تلوح به البوليساريو؟
ذكرت سابقا أن الولايات المتحدة تعارض نشوب أي حرب بالشرق الأوسط والخليج في هذه المرحلة، وهو الأمر نفسه بالنسبة للمنطقة المغاربية والسبب الرئيس هو الحرب المعلنة على ما يسمى “تنظيم القاعدة” الذي تحول من تنظيم في شكله وتكوينه الجزائري لأنه هو نفسه الجماعة السلفية، إلى تلك التسمية الفضفاضة ذات الأبعاد الإعلامية المثيرة في ظل عالمية الحرب على الإرهاب.
تلويح جبهة البوليساريو بما تسميه العودة للعمل المسلح، هو يدخل في إطار البروباغندا التي تنتهجها المنظمة فقط، ولا يمكن أن تنفذ على أرض الواقع مهما ترددت الشعارات البراقة. فمن ناحية أن الغرب وعلى رأسهم أمريكا وحلفائها الأوروبيين لن يقبلوا أبدا بإندلاع أي حرب في ضفة المتوسط والمنطقة المغاربية التي تعني الكثير لهم أمنيا وإقتصاديا وسياسيا وحتى عسكريا. أيضا نجد دوما “القاعدة” تستغل مثل هذه الحروب لتكوين قوتها وفرض بنيتها ونفوذها، فلم تشهد منطقة مسلحة كأفغانستان والعراق والصومال وحتى اليمن إلا تمددا رهيبا لأخطبوط القاعدة. ونحن نعرف أن منطقة الساحل والصحراء تواجه تحديا أمنيا رهيبا إلى جانب الضغوطات الغربية وخاصة الفرنسية منها، فقد تحالفت الجماعات الإرهابية متمثلة في القاعدة مع الخارجين عن القانون والمتمردين ومافيا التهريب، وأدى ذلك إلى خلق بؤرة توتر جديدة لها تداعيات على المشهد الأمني العالمي، فترى كيف يكون الحال لو تندلع حربا جديدا في الصحراء الغربية والتي موقعها الإستراتيجي مفتوح على الجزائر وموريتانيا والعمق المغربي طبعا. من جانب آخر أن الصحراويين غير ملتفين حول أطروحة الجبهة والتي هي بنفسها تعيش معارضة داخل من كانوا يناصرون نزعتها، هذا إن تجاهلنا وضع المنظمة العسكري والسياسي والإجتماعي كذلك.
بإختصار شديد أن التهديدات التي تلوح بها من حين لآخر البوليساريو لا يراد منها إلا الإثارة الإعلامية والضغط على الأمم المتحدة ولا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع في ظل الأطروحة المغربية القاضية بالجهوية الموسعة التي أخلطت الأوراق، وكذلك الأمم المتحدة التي لا تزال تتبنى القضية في أطر السلم الذي لا يقبل ابدا العودة للحرب مهما كانت الظروف. بل حتى الجزائر نفسها لن تقبل بإشعال فتيل حرب على حدودها في ظل سعي الدولة الحثيث لاجتثاث بقايا الإرهاب ومحاصرة التحرك المشبوه لما يسمى القاعدة التي تسعى للتمدد وفق رؤى مغاربية توسعية تخدم أولا وقبل كل شيء مصالح أمريكا في القارة السمراء.
14* كيف تنظر إلى النخب السياسية والفكرية في أوطاننا ؟
مادامت الأوضاع العربية سيئة فأول من يسلط عليه اللوم ويتحمل المسؤولية هي النخب السياسية والفكرية في أوطاننا، فصراحة أن ما يطلق عليه النخب حقيقة وليس تزييفا مهمشة إلى ابعد الحدود بسبب سيطرة طبقة المال والأعمال والفساد على الوضع، وبقدر ما تعاني من التهميش بقدر ما نراها عاجزة على فرض نفسها، لأن النخب التي لا تفرض نفسها وتنتصر عليها طبقات جاهلة ومتخلفة لا تستحق أن تكون نخبا للأمة.
15* طيب سوف أعطيك بعض الأسماء…ماذا تمثل بالنسبة لك؟
- صدام حسين - نصر الله - أسامة بن لادن - حركة حماس - باراك أوباما - المغرب العربي.
- صدام حسين: تقرب به العملاء لأمريكا صباح عيد الأضحى المبارك.
- نصرالله: زعيم حزب الله اللبناني.
- أسامة بن لادن: زعيم ما يسمى تنظيم القاعدة ويقال أن أمريكا تطارده.
- حركة حماس: هي التي تحكم قطاع غزة.
- باراك أوباما: خليفة بوش في البيت الأبيض.
- المغرب العربي: هو المغرب الكبير الذي فيه الأمازيغ وهم أصل السكان من الظلم شطبهم لحسابات عنصرية مستوردة.
16* كلمة أخيرة
أشكر جريدة “الخبر” على هذه الفرصة التي أتاحت لي التواصل مرة أخرى مع الشعب المغربي العزيز والشقيق. كما أتمنى من كل قلبي أن يطيل الله في عمري كي أسافر برّا وحافي القدمين من طنجة إلى أقصى تبسة ومن دون أن يوقفني أحد أو يطلب مني أوراق هويتي.



التعليقات (0)