لن يحرّر فلسطين الفاسدون ولا فراعنة مصر (الحلقة 1 و2)
2010/07/03
الحلقة الأولى
قد يراني البعض متشائما إلى أبعد الحدود، أو قد أصنّف في خانة المتحاملين الذين يتواطئون مع العدو لأجل خدمته والتطبيل له، أو قد يذهب آخرون في تخميناتهم إلى أبعد من هذا أو ذاك… لكنّني أردت أن أتحدث بصراحة ومن دون لف ولا دوران، وأعالج في رؤيتي ما سمعته من الكثيرين في الشارع العربي خصوصا والإسلامي عموما بل حتى الغربي منه الذي لا ينحاز إلى أي طرف. مادام هذا الأمر لمسناه يتردد في الأرصفة والمواقع المختلفة فهو يؤكد على مؤامرة تستهدف فلسطين أولا وقبل كل شيء،
وأن ما يشنّف مسامعنا من الشعارات الطنّانة والرنانة لا يمكن أن تقدم شيئا للقضية لأن تحرير البلاد والعباد لا ولن يأتي عبر مكبرات الصوت ولا بالاستحمام في غرف النوم ولا بهزّ الخصر والبطن في المواسم،
بل التحرير يأتي عبر مفاهيم وقيم تتجسد أولا وقبل كل شيء في أرض الواقع بعد زحفها على أطروحاتنا الفكرية والسياسية والعقدية، أما أن نجدها في الكلام المنمق الذي تتقاذفه الفضائيات على ألسنة من يبحثون عن البطولة ولو كانت وهمية لأجل إسعاد أنفسهم في لحظات الشبق السياسي، فإن ذلك لن يزيدنا إلا تأخرا وغرقا في الإحتلال والإحلال والإذلال والإهمال والإسهال.
الحرية ليست بالشعارات ولا على الفضائيات
يجب أن ننطلق من منظور أساسي وهو أن إسقاط الإحتلال ودحره معناه إنهاء دولته وإرساء دعائم الدولة الأصلية أو البديلة وفق منظور الشعب ورائحة التراب والوعي الإيديولوجي، ولا يمكن إسقاط دول قائمة ولو كانت عبر الإحتلال بالتخريب الذي يطال القيم الروحية والهوية والبنى المادية والأساسية، بل يجب أن تكون الدولة البديلة أقوى بكثير في جانبها العسكري والسياسي وصلبة في أسسها المختلفة. وبين هذا وذاك يجب أن تتجذّر هذه الدولة في أعماق الشعب وتطرد الآخر كما تنسف المبيدات الحشرات الضارة، بل يجب أن تزحف على قلوب ومشاعر وعقول الناس فتجتث ما علق فيها من براثن الكيان المعادي.
وننبه إلى أمر هام أن الشعارات الساخنة المدغدغة للمشاعر لا يمكن أن تحرر أرضا ولا تحمي عرضا، كما لا يمكنها أبدا أن تقيم حكما ذاتيا في مجموعة من البدو الرحّل نراهم يتيهون في البراري بحثا عن عشب دوابهم. يجب أن نوازن بين البعد الجوهري والجانب الشكلي أو بتعبير أدق يجب أن نكامل بين الروحي والمادي في تفعيل أطروحات التحرير والإستقلال، فلا يمكن أبدا أن تجوّع شعبا وتنهب ثرواته وتتاجر بها في أسواق النخاسة وتتسبب في تدميره وحرق أطفاله وتهشيم ضلوع بناته وأنت لا تقدم لهم شيئا سوى المحاضرات والدروس والخطب الزئبقية والعنتريات الفارغة والتعازي المزركشة سواء عبر الفضائيات أو في الصالونات المكيّفة أو حتى على منابر المساجد أو تحت أجراس الكنائس.
لا يجب الإصرار على الزعم بأن الشعوب العربية والإسلامية لا يمكنها أن تتأثر بشيء دنيوي لأن لها عقيدة دينية محضة تحرّض على الشهادة وتحفّز على الفردوس وحور العين، وهذا كلام مجافي للحقيقة التي نراها ونلمسها على أرض الواقع ونسمعها ممن نتواصل معهم سواء في الداخل الفلسطيني أو في الشتات أو عرب 48 أو لدى عموم الشارع العربي والإسلامي. ومثل هذا الكلام يدخل في أجندة تدمير مشروع التحرر الذي ننشده جميعا سواء في إطار الحق التاريخي الذي تفرضه القيم المتعارف عليها في مخيالنا السياسي والديني أو في إطار الحق الإنساني الذي تفرضه مواثيق دولية كثيرة لا زلنا نؤمن بها ونناضل من أجل تفعيلها وفق ما يخدم الإنسانية جمعاء وليس ما يحمي مصالح هذا على حساب ذاك.
إن عقلية الإستهتار والإتكال التي صارت تسيطر على المشهد هي من بين أبرز العوامل التي تساعد على بناء كيان الدولة العبرية بل ستحقق حلمها الممتد من الفرات إلى النيل عاجلا أم آجلا، فقد بلغ أمر الإتكال ليس على العرب فيما بينهم فقط بل وصل حد الإتكال على الله الذي وعد المسلمين بأن ينتصر لهم وينهي اليهود وإسرائيل من على البسيطة. فلذلك تجدهم يرددون جبنا في مخادع نومهم الكثير من الأحاديث المهددة بزوال الكيان بل يستشهدون حتى بتصريحات بن غوريون القاضية بنهاية إسرائيل لما تهزم، وربط الأمر بحرب تموز 2006 التي جرت وقائعها بين “حزب الله” اللبناني والجيش الإسرائيلي وأدت حسبهم إلى هزيمة نكراء مني بها الإسرائيليون. بالرغم من أن هذا الكلام لا يخدم إلا إسرائيل نفسها التي تتخذ من المحرقة والنهاية والإبادة ذريعة لإجبار المجتمع الدولي على دعمها، وهو الكلام نفسه الذي سمعناه عشية نكبة 1948 ثم سمعناه في هزيمة 1967 وتردد أيضا في صفقة 1973 ولكن الواقع عكس ذلك فقد إزدادت إسرائيل قوة وسقطت دول جديدة محورية في يد الإحتلال الأجنبي ولا تزال أخرى في الطريق، وأكثر بدأ التفتيت يطال دولا ويتربص بأخرى تظهر في مقررات الموساد ومقاربات البيت الأبيض على أنها من محور الشر المعادي للسامية.
الفلسطينيون أنفسهم في أغلبهم صاروا عاجزين لأسباب كثيرة بينها الموضوعي الذي لا يلامون عليه وبينها الملفق الذي يجب تعريته، وتحول الكثيرون منهم إلى إتكاليين حتى أبعد الحدود فكل ما يحدث إليهم يقابل بالبكاء على الشاشات وإستنفار العرب والمسلمين والذين هم أنفسهم يعيشون الإحتلال الداخلي الذي لا يختلف وحشية عما يحصل في فلسطين مادامت النتيجة هي الموت والسجون والفقر والجوع والدمار. بل الأمر تجاوز ذروته إلى أن عصابات سيطرت على الشأن الفلسطيني تمكنت من إبتزاز الدول عن طريق جمع الأموال الضخمة التي تتحول إلى شركات ومؤسسات في أوروبا وحتى في إسرائيل نفسها، فهل يعقل أن تقدم الملايين من لقمة الشعوب الأخرى التي تعاني الأمرين وتتحول تلك الثروات إلى جيوب مفسدين ومنها يقيمون المشاريع الضخمة وتدرّ حتى الأرباح على الكيان الصهيوني المحتل مباشرة أو بطرق ملتوية عبر بوابات ومنافذ أخرى معروفة في عالم التجارة الدولية؟ !!
شعوب عاجزة وأنظمة فاسدة ومعارضات للتهريج
الشعب الذي لم يستطع أن يحرر نفسه من هؤلاء المسؤولين المجمع على فسادهم والذين إنتخبهم في مسرحيات كوميدية، فكيف يمكن أن ننتظر منه تحرير أرضه من إسرائيل النووية المدعومة من أقوى دول العالم؟ هل من المعقول أن ينتظروا الشعوب العربية التي لا تستطيع بدورها أن تتحرر من حكامها المتسلطين حتى يزحفوا على فلسطين ويحرروا شعبها من قادتها ثم بعدها يحرروا القدس من إسرائيل؟
هل يمكن أن ينتظر الشعب الفلسطيني زحف الشعب الأردني مثلا ليحرره في حين تستهدف السلطات جنسية الفلسطينيين الذين يعيشون على ترابها تخوفا من أن تصبح أرضا بديلة ولا أحد إستطاع أن يغير شيئا؟
هل يمكن أن ينتظر الفلسطينيون الشعب المصري أن ينتفض ويهجم على معبر رفح ويفتحه ويدمر الجدار الفولاذي ومنه يهرع نحو قطاع غزّة ليحررها من “إحتلال” حماس، وآخرون يصلون لرام الله ويحررونها من “فساد” فتح، وبعدها يزحفون على تل أبيب ويمحونها من الوجود، والشعب المصري نفسه لا يستطيع أن يتحرر من عصابة آل مبارك التي تحكمه وتنهب ماله وتنتهك أعراضه وتبطش به، لو كان هذا الشعب يخيف ما تجرأ عليه بني جلدته؟ !!
هل يمكن أن نتوقع إنتفاضة عارمة من شعب يتناحر على الرغيف وقارورات الغاز وغدا لن يجد ما يسقي عطشه لما يحرم من مياه النيل خاصة أن النظام الحاكم في مصر فضح أمره فهو لا يملك نسخا من إتفاقيتي 1929 و1953 التي تضمن حصته في هذا النهر، لكنه يتباهى بمتاحف وآثار فرعونية عمرها قرون لا تحصى ولا تعد لا تزال محفوظة لأنها تجلب له السواح مما يخدم الشركات النشيطة في هذا المجال والمملوكة للنافذين في السلطة؟
هل يمكن أن نحتمل شيئا من شعب يجوّع في حين يتقاسم ثروته عصابة من أعضاء الحزب الحاكم في أرض الكنانة بينها ملايير تقدم رشاوى لحماية آخرين فيهم من تورطوا في قتل عشيقاتهم انتصارا لليالي الحمراء أو أغرقوا الآلاف من أبناء الشعب في عبّاراتهم غير الصالحة؟
هل من الممكن أن نتفاءل بثورة شعبية مصرية على حدود غزّة من شعب أجبره نظامه على التباهي بالماضي الفرعوني الذي كان المصريون فيه عبيدا في حين يتجاهلون محطات أخرى مشرقة ومشرفة؟ النماذج كثيرة ولا يمكن حصرها لو نسترسل في ذكر كل قطر وما يعانيه شعبه من إذلال وخصي وتجويع وإمتهان للكرامة ما كفتنا المجلدات.
عندما نسمع أن الشعوب العربية والإسلامية تعشق فلسطين فأكيد سنصدق مادامت مراجعنا وتراثنا الديني والقومي يحفل بما تقشعر له الأبدان من النصوص التي تحفّز على التضامن والأخوة والتآلف وواجب النصرة وترفع من شأن الأقصى إلى أعلى الدرجات، ولكن أن يأتي أحدهم ويزعم أن الشعوب العربية كاملة تحب الفلسطينيين وتنتصر لهم فهذا كذب وإفتراء، لأن الواقع يشهد بغير ذلك فلماذا نقفز على حبال ونتنطّط على ما لا يزيدنا إلا ذلاّ وقابلية للسقوط والعبودية؟
لقد تعرض الفلسطينيون في لبنان إلى ما لا يمكن تخيله وصلت حد الإقتتال كما جرى عام 1969، وآخرها ما عشناه مع أحداث نهر البارد في مايو 2007 التي لا تزال شاهدة على حجم الكارثة وبالرغم من أن الجميع يتغنى بالمقاومة للمحتل المشترك الذي طال لبنان وفلسطين في آن واحد، والأدهى والأمرّ أن أحداث نهر البارد جرت بإيعاز من “حزب الله” الذي يتزعم المقاومة.
أيضا تعرض الفلسطينيون في الأردن إلى التضييق وما لا يمكن وصفه ليس من طرف النظام الحاكم بل حتى من الشعب الأردني نفسه، وطبعا لا تظهر المحبة والأخوة والمصير المشترك إلا في المناسبات والمؤتمرات التي تستغل لنهب المال العام والإستجمام في الفنادق الفخمة على حساب الغير، ولا تزال أحداث أيلول الأسود 1970 راسخة في الأذهان وسوف تتكرر بلا أدنى شك.
أما الملاحقات والمطاردات التي تطال الفلسطينيين في مصر لا يمكن حصرها، ويكفي أن الأمر وصل حد إقتراف جرائم التعذيب في حق جرحى غزّة الذين طالتهم المحرقة الصهيونية، بغض النظر عن الإغتيالات والقتل العمدي في السجون والمستشفيات وعبر الحدود والأنفاق.
من جهة أخرى نرى أن الأمر لا يقتصر على ما ذكرنا بل حتى معاناة الدول التي تستقبل الفلسطينيين على أراضيهم لا يمكن وصفها، فقد تورط اللاجئون والفارون والهاربون والمشتتون في قضايا إرهاب وتهريب وخيانة وفساد… الخ، فُتحت لهم أبواب الإستثمار على مصراعيها في إطار التضامن مع الشعب الفلسطيني المحتل ولكن قوبل بالإحتيال على المواطنين والعمال البسطاء وبالتهرب الضريبي كما جرى في الجزائر التي هي البلد الوحيد الذي لم يسيء للفلسطينيين بل أحسن إليهم بصورة لا يمكن تخيلها، وأيضا شكلوا شبكات للتجسس على الدول التي ينزلون بها ولحساب من يحتل أرضهم، أقاموا عصابات التزوير التي لا تفعل ذلك من أجل تهريب الأسلحة والتخفي والنضال بل للنصب والإحتيال على أبناء الشعوب الأخرى، ينتهكون الأعراض وعلى حساب أموال المقاومات والدعم، الوشاية ببعضهم البعض… الخ.
الأدهى والأمر أنه عندما يراد تطبيق القانون عليهم تجدهم يذرفون الدموع على أنهم ضحايا مؤامرات لأنهم يناضلون من أجل فلسطين، والصحيح أن ما أقترف هو لصوصية وفساد لا يجوز مطلقا أن يتلطخ به كل منافح عن الشرف الرفيع. أكيد أن الأمر لا يطال الجميع فالشرفاء لا يمكن تجاهلهم، ولكن ما اشرنا إليه موجود في الكثيرين مما يجعلنا نقرع أجراس الخطر، لأن التحرير مهمة الكل في إطار عولمة التكتلات التي تحكم السياسة الدولية الآن.
لقد درست بكلية عسكرية عليا في الجزائر وعندما إلتحق بنا “فلسطينيون” للتكوين كضباط كنّا نتوقع أن يتحول هؤلاء إلى مثال بيننا يحتذى به في الإيمان بالقضية والعمل لأجلها، ولكن للأسف الشديد جعل البعض منّا يكره فلسطين واليوم الذي سمعوا فيه بها، فقد كان جلّ إهتمامهم هو السكر والدعارة والمخدرات وتبذير الأموال – التي تقدم لهم من سفارة بلادهم ومن أموال شعبهم المحتل – فيما يخدش الحياء والكرامة. والأمرّ أنهم يشتمون فلسطين وقدرهم الذي جعلهم ينتمون لهذا البلد ونحن كنا نردّ عليهم بغضب وكبرياء وخشونة أحيانا. وفي أحد المرات جمعني حديث مع شقيق الحارس الشخصي للراحل ياسر عرفات والذي كان معنا في التكوين، فتحدث بما لا يمكن أن يجول بذهني حيث تمنّى أن لا تخرج إسرائيل من فلسطين، وعندما سألته عن السبب أجاب قائلا: “نحن شعب مشرّد لا نستطيع أن نبني أو نسير دولة وإن خرجت إسرائيل فستقطع علينا المساعدات العربية والإسلامية والدولية وهو الذي يجعلنا نموت جوعا أو نقتل بعضنا البعض”. فلما سألته: “هل تفضل الموت بالقصف الإسرائيلي على الموت جوعا؟”، أجابني: “بل أفضل العيش في أفخم الأحياء في أمريكا أو حتى تل أبيب”… هكذا هو رأي من تعدّه السلطة لمسؤوليات عسكرية ثقيلة وجسيمة وشقيقه يحمي ظهر زعيم القضية الفلسطينية الراحل ياسر عرفات.
الحلقة الثانية
ما يحدث في الغرب يندى له الجبين، حتى أعطى الكثير من الفلسطينيين والعرب عموما نموذجا يسيء لسمعة قضيتهم العادلة، في حين نجد اليهود يشكلون لوبيات لصالحهم وتخدم الشعوب الغربية وتسهر على كثير من المرافق العمومية والمالية التي تجعلهم يكسبون ودّهم ولبّهم، لأنه لا يعقل أن يتضامن المواطن الغربي مع عربي يراه لا همّ له إلا الإضرار بالآخرين عن طريق نهب أموالهم والترصد لحياتهم بالسوء، ضد يهودي يراه يستثمر أمواله في شركات عملاقة ومشاريع ضخمة تؤمّن لقمة عيش الآلاف، بل ينشطون في المساعدات والتضامن الإجتماعي بما يحبب الناس فيهم ويجعلهم يقدمون لحلمهم التوراتي كل الدعم والمساندة.
الحكام العرب أنفسهم جعلوا من هذه القضية ملهاة للشعوب فالحاكم العربي وخاصة من دول ما يسمى الإعتدال والتطبيع وعلى رأسهم نظام سوزان وحسني مبارك، كلما أحسّوا بأزمة تهدد عرشهم إلا وسارعوا بهاتف عاجل إلى تل أبيب من أجل إنقاذهم، وطبعا يكون الرد سريعا وعاجلا بتحرك آلة الموت نحو غزّة أو بعمل تخريبي يطال المسجد الأقصى، وهذا الذي يلهي الشعب عن مشاكله الداخلية وبفضل الفضائيات التي أدمنوا عليها وهي تنقل لنا متحدية مشاعرنا صور الموت والقصف والإبادة والجثث المفحّمة، من دون وعي لأهدافها الهدامة من وراء هذا الإنفتاح والإنتشار. حينها يحول الشعب بوصلته التي كانت تتجه لحكومة بلاده الفاسدة نحو إسرائيل حامية ظهور الحكام بمثل هذه الأمور التي لا يدفع الثمن فيها إلا الأطفال والأبرياء، ولكن مادام الزعماء يذبحون شعوبهم من أجل كراسيهم فلا ضير أبدا أن يبيدوا شعب غزة “الغريب” عنهم لأجل مطامعهم ومصالحهم، وهو الذي نراه واضحا للعيان من مصر “العظيمة” التي تغلق المعابر وتشيد الجدران الفولاذية وتتآمر على قرية “صغيرة” إسمها غزّة.
المقرف الذي لا يمكن تجاوزه أن هذا الحاكم يلجأ أحيانا لحماية الكيان الصهيوني بطريقة مشبوهة للغاية، وأقرب دليل هو فتح معبر رفح من طرف نظام مبارك بعد الإعتداء على “أسطول الحرية” في المياه الدولية للبحر المتوسط والذي وضع إسرائيل على المحك سنرى تداعياته قريبا سواء في المشهد السياسي الداخلي أو حتى الخارجي. فعل ذلك غصبا عنه من أجل أن يفوت فرصة أساطيل أخرى ربما تكون محمية ببارجات العسكر التركي مما يفتح الباب على حرب مفتوحة الطرف فيها هي أنقرة، كما أراد النظام المصري أن يمتص الغضب الدولي العارم على الكيان المحتل.
فإعلان فتح معبر رفح إعلاميا وفي الواقع نجد معاناة كبيرة لا يمكن تخيلها، وقد قيل أنه سيبقى “مفتوحا” إلى إشعار آخر وأكيد سيأتي هذا الإشعار من حكومة نتنياهو في الوقت المناسب الذي تكون إسرائيل قد إستطاعت أن تخرج من المأزق الإنساني والحقوقي الدولي الذي تورطت فيه، ولكن حكامها يتقنون القفز على الجثث المتفحمة وسيقدرون على تجاوز هذا البركان وبدعم أمريكي ومصري مفضوح.
المعارضات بدورها تسترزق بالقضية وتريد أن تجعل منها قميص عثمان الذي تدين به الأنظمة، بالرغم من أن الشارع يحفل بما يعجّل بقطع رؤوس الحكام في مقصلة شعبية، ولكن بسبب نقص الخبرات ومحدودية الرؤى وتوكيل الأمر لغير أهله حوّل من المعارضات التي نجدها في الغرب تصنع البدائل وتحفز على التغيير وتجبر الحكام على الإستجابة لنبض الشارع، إلى مجرد تهريج يظهر في المهرجانات عندما يعارضون استقبال المغني الفلاني لأنه شاذ أو أن الراقصة الفلانية مثيرة للجنس وألبستها فاضحة كأنهم يريدون من هيفاء وهبي أن ترقص وتغني للدعارة وهي منقبة وتتلو الذكر الحكيم، بالرغم من أن أغلبهم يتلذذون بجسدها في جلساتهم الخفية وفي مكاتبهم عبر الشبكة العنكبوتية أو من خلال التحرش بعاملات معهم. كما نجد هذا العبث المعارضاتي يظهر في مآتم أطفال غزّة والعراق، فيجدون الدم الذي يهرق فرصة لتأليب الشارع لأيام ويخطفون خلالها الأضواء والنجومية التي تتيح لهم فرصة بلوغ مراميهم في الإستحقاقات الإنتخابية ليتمكنوا من دخول البرلمانات وتقلد المناصب والعيش مجانا بالخدم والحشم في المحميات الأمنية. فعندما تفلس المعارضات في تقديم بدائل ومشاريع شعبية وجماهيرية، تلجأ إلى غزّة الجريحة التي يتعاطف معها كل من في قلبه ذرة من الإنسانية، وهذا من أجل كسب الأنصار والعودة للواجهة الإعلامية للحفاظ على مكاسبهم…
من ينسى لا يحرّر أرضا ولا يحمي عرضا
لعلنا نتساءل كم من مرة مزّق الجسد الفلسطيني في مذابح رهيبة منذ أكثر من ستين عاما؟ كم من مرة ونحن نبكي محرقة أشعلت على المباشر؟ كم من قضية طفت للسطح وشغلت الناس لأسابيع أو حتى شهور؟ ولكن كل ذلك يقابل بالنسيان وطيّ الصفحة والوقوف على الأرصفة لإنتظار ما يشد إنتباهنا ويحرك مقتنا. الشعوب التي تنسى قاتلها وناهبها وخائنها والمعتدي عليها لا يمكن أن تصنع مستقبلا، فاليهود لا يزالون يرددون ما حدث لهم في غابر الأزمان وما قبل الميلاد ويلقنونه عبر تلمودهم لصغارهم حتى وإن كان محرّفا أو ملفّقا، ونحن لا نذكر من الماضي العربي والإسلامي غير مجون إمرؤ القيس وجواري بني أمية ونهتف بتاريخ الأندلس عبر غراميات إبن زيدون أو تناحر القيسية واليمنية.
لقد يراني البعض قاسيا على شعوب تعيش في ظروف مزرية جدا، ولكن أرى أن هذه القسوة مهمة جدّا لأنها لن تصل إلى الفسفور الأبيض ولا تفحّم الجثث بل هي تنفض الحقيقة ولو كانت جارحة ومن أجل النهوض، فالنقد الذاتي مهم والعمل على معرفة أسباب استمرار هذه المأساة الإنسانية هو بدوره يحفّز على وضع القاطرات على سككها الصلبة والصحيحة والسليمة. فلنا تجارب تحررية في التاريخ يمكن أن نستفيد منها ولنا تجربة حية في العالم برمته وتتمثل في الثورة الجزائرية التي إستطاعت أن تحقق الإستقلال بعد 132 سنة من عمر الإحتلال، وإستقلّ الجزائريون النشامى الذين لا يوجد على أرضهم مقدسا دينيا مثل المسجد الأقصى أو كنيسة المهد ولا كانوا يعولون على الآخرين لتحريرهم ولا أجهض مشروعهم بأسلحة فاسدة قدمت من نظام جمال عبدالناصر، بل إنطلقت الثورة عندما تحولت إلى قناعة شعبية وإجماع قلّ نظيره، وصار الوطن هو الشيء المقدس يحرم على أي كان تجاوزه ولو في كوابيس الأحلام.
إن التعلم من تجارب الآخرين مهم وتجاهل تلك النماذج الناجحة وتحت أي مسمى هو من أقبح ما يرتكبه الفلسطينيون والعرب في حق أنفسهم قبل غيرهم.
أقولها بصراحة ومن دون مقدمات أن الوطن يحرره شعبه ولا يمكن أن يستورد التحرير عن طريق الأقمار الصناعية أو عبر الأنفاق أو بالتعويل على جار مخادع وخائن ومتآمر أو بالإستجمام على منتجعات شرم الشيخ ولا المقاومة تزرع عن طريق المصل في مستشفيات عسكرية. الإستقلال يأتي من داخل يجعل الجميع يلتف حوله إن وجدوا الحماس والإيمان والأمانة والنضال والعفة والطهارة والصدق والفحولة والكبرياء والعدالة والثقة كما كان الأمر في الثورة الجزائرية، أما إن كان أصحاب الشأن يتاجرون بشأن وطنهم ويتناحرون فيما بينهم ويبتزون غيرهم فلا ننتظر من الغرباء أن يهبوا لنجدته حتى وإن كان عرقهم واحد، فالحدود التي صنعها المستعمر وفرضها علينا جعلت أجيالنا من الصعب أن تقفز على هذه المعادلة الحتمية والقدرية… فأخشى ما أخشاه أن صار الفلسطينيون عالة على الشعوب العربية والإسلامية أيضا كما هو الشأن لدى الأنظمة الرسمية، حينها نقرأ فاتحة الكتاب على كل ما بذله الشرفاء عبر قرون من الكفاح والنضال.
برغم المرارة التي علقت بحلقي وأنا أغوص في أعماق هذه المأساة الإنسانية إلا أنني مضطر أن أختم حديثي الذي لن ينتهي، قائلا:
للقضايا أمم في مستواها روحا وعقلا وجسدا، وللأوطان شعوب تحميها وتناضل لتحريرها، وللمقدسات أيضا فئات قلت أو كثرت تؤمن بها وتعمل كل ما يليق لأجل تطهيرها من الدنس، ولا يمكن أبدا أن يطهر الدنس بالنجس، كما أنه لا يمكن أن نعول على الطير الأبابيل لتنقذنا ولا دائما للكعبة رب يحميها…






التعليقات (0)