ماذا تبقّى من إستقلال الجزائر؟
2010/07/12
عمود أسبوعي يكتبه انور مالك لـ “مرايا بريس” المغربية
في كل خامس من شهر جويلية يحتفل الجزائريون بذكرى غالية عليهم ومقدسة لديهم، وهي إستقلال الجزائر، هذا التاريخ الذي صنع الحدث البشري في عام 1962 بعد 132 سنة من إحتلال همجي وعنصري وإحلالي لا نظير له. ومما لا يمكن أن يختلف فيه أبدا بين العدو والصديق، أن دحر الإحتلال الفرنسي كان بفضل الكفاح ونضال الشعب الجزائري، وان ثورة أول نوفمبر 1954 الخالدة هي من أعظم الثورات في العصر الحديث.
ففرنسا لم تهب الإستقلال للجزائر كما يزعمون، وللأسف الشديد يتغنّي اليوم بهذه الأطروحة القذرة، حتى من كان يمثل الدبلوماسية في حكم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وهو وزير الخارجية الأسبق محمد بجاوي، بل أجبرت على ذلك بفضل الإرادة والإيمان بالقضية وحبّ الوطن والتفاني في سبيل حمايته بالغالي والنفيس.
ماذا تبقى من إستقلال الجزائر؟ !!
هو السؤال الذي أصبح يتردد كثيرا، كما تردد أيضا: ماذا تبقّى من ثورة الجزائر؟ وطبعا الأمر سيّان سواء تعلق بالثورة أو الإستقلال. وقد هاج وماج هذا السؤال في ظل ما صارت تعرفه المناسبات التاريخية من بزنسة ومتاجرة وإستغلال فظيع، من طرف بعض أدعياء السياسة والدين والمعارضة أيضا، يقدمون على ذلك لأنهم يدركون أن قيمة الثورة الجزائرية عظيمة، وأنه لا شيء يمكن أن يسحر نفوس الجزائريين مثل هذه المناسبات التاريخية التي كتبت بحروف من ذهب، وستبقى الأجيال تردّدها أبد الدهر.
لقد كافح الأحرار والنّشامى، المستدمر الفرنسي الغاشم، من أجل أن تتحرر الجزائر من كل ما يمتّ للإستعمار بصلة، سواء كان لغويا أو تراثيا أو سياسيا أو تنظيميا أو قياديا أو ترابيا أو عرقيا أو إنسانيا أو إقتصاديا. ولقد ناضل الثوار ضد الإبادة والتجويع والتفقير والإذلال والدوس على القيم والمقدسات وإنتهاك العرض ونهب الأرض الذي كان يمارسه أزلام المستعمر. لقد وقف الجزائريون بحزم لكل أشكال التبعية والإندماج والخيانة والعمالة والذوبان، وتحدّوا كل أشكال الغطرسة ومحاولة تدمير الهوية داخل الذات الجزائرية.
كنّا نعتقد وبناء على الأخلاق الثورية التي زرعها الآباء في أبنائهم، أن فرنسا ستظل العدو رقم واحد لدى كل الجزائريين مادامت تصرّ دوما على تمجيد تاريخها الدموي، وعلى حساب نضال إنساني مشرف ومشرق، قام به الجزائريون على مدار 132 عاما. كنا على يقين أنه بحكم تلك الشعارات التي رفعت بعد الإستقلال، أن الشعب الذي قدّم الغالي والنفيس من أجل حريته وكرامته وعزّته، سيظل مرفوعا على رؤوس الأشهاد. بل سيعيش في رغد بفضل تأميم نفطه وإسترجاع ثرواته وإمتلاك أرضه وخيراته. وللأسف الشديد خاب ظننا وسقط في الحضيض.
فترى كيف هو واقع الجزائريين بعد ما يقارب نصف قرن على الإستقلال؟
هل يتمتعون من ثروات بلادهم؟
هل يوجد في الجزائر فقراء ومساكين لا يملكون قوت يومهم؟
هل يفضل الجزائريون بلادهم على فرنسا أم العكس؟
لماذا صرنا نرى حرّاقة يغامرون بحياتهم، ويتحولون إلى لقمات سائغة لأمواج البحر العاتية، من أجل بلوغ الضفة الأخرى؟
لماذا صرنا نسمع ما لا يمكن تخيّله من سبّ ولعن للشهداء والتاريخ والثورة؟
لماذا صار الجزائريون يلهثون من أجل تأشيرة تحملهم إلى باريس، وعندما يصلون إلى هناك لا يقبلون العودة إلى أرضهم التي سقتها دماء الشهداء الزكية؟
لماذا تصرّ فرنسا على تمجيد الإستعمار في حين يلحّ “البرلمان” الجزائري على تجميد قوانين التجريم؟
لماذا تحول عيد الإستقلال إلى مجرد عطلة مدفوعة الأجر؟
أسئلة كثيرة ومتعددة وحزينة، وكلما وقفنا على إجابة إلا وأحسسنا بمرارة لا يمكن تخيلها، لأنه لا يعقل على الإطلاق أن الإستقلال الذي هو نتيجة كفاح فاق قرن، يصير إلى مزادات في فترة لا نزال نعايش الكثيرين من المجاهدين وصنّاع الثورة والتاريخ، وهو الذي يخيفنا فعلا إن طال بنا الأمد وتحوّل جيل الثورة إلى مجرد أطلال في المقابر.
إن الخطأ يقع على كاهل الحكومات المتعاقبة، فسياسة التفقير تواصلت، ونهب الثروات وخزينة الأمة تواصلت، والقتل تواصل أيضا ولدينا شواهد كثيرة من بينها أكثر من ربع مليون جزائري سقطوا في تلك الحرب البشعة التي عاشتها البلاد خلال التسعينيات، وأدى العنف الإسلاموي الذي ساعدت عليه أطراف نافذة في السلطة بطريقة ما، إلى إرتكاب ما يندى له الجبين من مجازر فظيعة وإنتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والكرامة الآدمية.
لقد صرنا نقرأ يوميا وعبر الصحف – وطبعا ما خفي كان أعظما – عن جزائريين يقتاتون من المزابل، وآخرون جثثهم لا تزال بلا قيمة ولا صاحب على الشواطئ أو في مصالح حفظ الجثث بإيطاليا وإسبانيا… صرنا نرى ما لا يمكن وصفه، فقد تحدثت مع مجاهدين وأبناء شهداء لا يملكون قوت يومهم، وبينهم من مات بسبب الإهمال الصحي والجوع وفقر الدم والسرطان والسل والجرب، في حين نجد أبناء عملاء وحركى زوروا تاريخ آبائهم وصاروا صنّاع القرار في بلد مليون ونصف المليون شهيد، يعيثون فسادا وإفسادا في ثروات الشعب وخزينته.
لقد تحدث بعضهم عن إغتيال الثورة، والآن صرنا نرى إغتيال الإستقلال عن طريق إذلال الشعب، ورهن ثروته في صفقات فاسدة، المستفيد الأول والأخير منها هو المستعمر الفرنسي، بل تحوّلت الجزائر إلى سوق مربحة لفرنسا وفاقت 14 مليار دولار، وتجاوز عدد الشركات الفرنسية النشيطة في وطننا 420 شركة. وطبعا بغض النظر على الأموال التي تهرّب والأخرى التي يمتلك بها النافذون عقارات وأملاك في عاصمة الجن والملائكة.
هل بعد هذا يمكن أن نجبر فرنسا على الإعتذار أو الإحترام أو التعويض؟ !!
الشجون كثيرة ولا يمكن إحتواءها، ولكن علينا أن نقرع نواقيس الخطر على هذا الإغتيال المنظّم والمتعمد والمبرمج والمبيّت، الذي يطال قيم الثورة والإستقلال في نفوس الأجيال اللاحقة، وهو حلم ديغولي لا يمكن تجاوزه ونسفه إلا بالعمل الجاد والرشيد لأجل الحفاظ على قيمة المواطن الجزائري، وهذا لن يتأتّى بالشعارات المزيفة والإحتيال العابر للقارات، بل يأتي عن طريق مخلصين يقدسون الوطن والمواطن كما قدس أجدادنا الحرية التي خضبوها بدمائهم الزكية والطاهرة… وللحديث شجون أخرى.



التعليقات (0)