محرقة لأوهام المتاجرين بدماء رهبان تبحيرين
2010/07/14
بقلم: أنور مالك
للمرة الأخرى، وبعد الشريط الذي عرضته “كنال بلوس” أواخر جوان 2010، ووثقته بشهادات من سمتهم بالمعارضين الجزائريين، أجد نفسي مضطرا للحديث عن مجزرة رهبان تبحيرين التي أقترفت في أعالي المديّة شهر ماي من عام 1996، والتي لا تزال تثير الجدل وتسيل الحبر من حين لآخر، في ظلّ إصرار فرنسي غريب ومشبوه وغير بريء، على توريط الجيش الجزائري وبأي طريقة كانت، ومهما ثبتت حقيقة هذه المجزرة التي إرتكبتها الجماعة الإسلامية المسلحة “الجيا” بلا منازع، ولا يمكن أبدا القفز عن هذا البديهية مهما مضى بنا قطار العمر، ومهما حملت لنا الأيام من مفاجآت تحسن أجهزة الظلّ ربط خيوطها.
فمرة تطلع وسائل الإعلام من أن الجماعة الإسلامية المسلحة “الجيا” هي صنيعة المخابرات، وهي التي قتلت الرهبان بإيعاز أمني من المؤسسة العسكرية الجزائرية، بل يأتون بالفريّة التي لا يقبلها عقل ولا منطق وعلى ألسنة غير موثوقة أصلا. وفي مرات أخرى يتبجحون بأن الجيش هو الذي أخطأ في قتلهم، وربما مستقبلا سيزعمون أن الرهبان لا يزالون مفقودين في سجن سري، أو أن وزارة الشؤون الدينية هي التي أعدمتهم في إطار محاربة التبشير… الخ !!
الكفر الفرنسي البواح بأي شهادة لا تدين الجيش الجزائري !!
لقد سبق ونشرت شهادة في هذا الموضوع عبر مواقع مختلفة، كما تحدثت عن ذلك أيضا، في قناة “الحوار” الفضائية التي تبث من لندن في 09/07/2009، وفي برنامج “أضواء على الأحداث” الذي قدمه حينها الإعلامي الجزائري سليم صالحي، وتناولت الحلقة قضية الرهبان وتداعياتها.
وفي 10/07/2010 وجهت بيانا إلى وكالة الأنباء الفرنسية وبعض الصحف المهتمة بشأن الرهبان بباريس، وفي وقت كانت القضية تشغل الرأي العام، غير أن الشهادة قوبلت بالتجاهل والرفض التام. ليتواصل الإلحاح على رؤية واحدة يصفّق لها البعض من الجزائريين الذين يتسربلون ثوب المعارضة في الخارج، إما جهلا أو حقدا أو إنتقاما أو حتى غباء للأسف الشديد، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ماداموا يعارضون النظام ويورّطونه على حد زعمهم، وحسب متابعتنا للشأن في الخارج ومعرفتنا ببعض الكواليس وبناء على ما عايشناه من خلال تواصلنا مع هؤلاء، أدركنا يقينا أنه لو يقول هذا النظام أن الشمس في الجزائر تشرق صباحا وتغرب مساء، لكفروا بذلك وهبّوا ينسجون القصص ويفبركون ما وراء السطور.
ومن دون العودة لتفاصيل الحادثة المؤلمة التي ذهب ضحيتها رهبان تبحيرين، والتي أسالت طوفانا من الحبر الأسود والسرّي، وبلا سرد مفصّل لشهادتي الطويلة، أرى من الضروري أن أذكر بعض ما جاء في بياني الذي وزعته وباللغة الفرنسية، حيث أكدت فيه أنني ضابط سابق في الجيش الجزائري، ولاجئ سياسي في فرنسا، مما يعني أنني لست محسوبا على النظام أبدا، ولا على أي طرف قد يقدّم خدمات مجانية أو مأجورة، تكون مبرمجة ومبيتة النوايا، بل أنا أدافع عن الحقيقة ولو تكون ضد نفسي، لا أجاري أحدا ولا أداري عن أي كان.
خلال فترة إختطاف رهبان تبحيرين عام 1996 كنت في المؤسسة العسكرية، وعايشت الكثير من كواليس تلك المرحلة الحرجة التي أدركت فيها القيادة في وزارة الدفاع الوطني أن إنقاذ الرهبان مهم للغاية، وهو ما سيضع حدّا لكثير من التداعيات والتلاعبات، التي ستعمل المخابر الفرنسية كعادتها على إشعال اللهيب فيها، وخاصة في المراحل التي ستشهد التوتر بين الجزائر وباريس، وما أكثرها.
كما أكدت في شهادتي أن الرواية التي قدمها الجنرال الفرنسي فرنسوا بوشوالتر، والتي تتعلق بتورط الجيش في القتل الخطأ للرهبان بواسطة طائرة الهليكوبتر، غير صحيحة إطلاقا ومن كل النواحي، لأن الجيش خلال تلك الفترة أعطى أوامر صارمة بالحفاظ على حياة الرهبان، ومنع حتى قصف مراكز الجماعات المسلحة بالأسلحة الثقيلة والطائرات، وخاصة في المناطق التي يحتمل تواجد الرهبان فيها، والذي أكّدت المراسلات الأمنية حينها أنهم مع قيادات “الجيا”، ويحتمل جدّا تواجدهم برفقة جمال زيتوني في أعالي الشريعة.
ونضيف أيضا أن المعطيات والمسلمات العسكرية تفنّد تلك الأطروحة، ولا يمكن أن تتماشى مع ما صرّح به الجنرال الفرنسي الأسبق، لأنه لا يعقل أبدا أن تقنبل الطائرات معاقل الإرهاب من علوّ منخفض ولا على جنب، كما لا يمكن أبدا أن يقتل الرهبان نتيجة صواريخ أطلقت من بعيد، ولا يوجد أي أثر برؤوسهم، فالمعروف أن ضحايا القنابل التقليدية التي تزرع في الطرقات، غالبا ما تنشطر جثامينهم إلى فتات وأجزاء صغيرة ولا يبقى منها إلا القليل، فكيف سيكون الحال مع صواريخ تقذف من الأعلى وتستهدف كهوفا محصّنة؟. أما أن تبقى الرؤوس سليمة ومن دون أي خدوش ولا آثار جسيمة فيها، هذا إلا إذا كان الرهبان يقفون على رؤوسهم. وطبعا هذا أمر لا يمكن تصديقه، والرواية الموضوعية هي أن الضحايا السبعة تعرضوا لعملية الذبح، وهي الحقيقة الثابتة التي لا يشوبها أدنى شكّ أو تردد.
من جهة أخرى أنني سجنت مع بعض أمراء “الجيا” الذين كان لهم الدور البارز في صناعة المشهد الدموي خلال التسعينيات، وأكدوا لي إجماعا أن الأمير الوطني للجماعة الإسلامية المسلحة جمال زيتوني هو من ذبحهم شخصيا، بعدما قام بتعذيبهم والتنكيل بهم إلى ما لا يمكن تخيّله، والأمراء الذين تحدّثوا معي في هذا الأمر ذكرت من بينهم محمد شامة المكنّى “القعقاع”، صدوقي محمد المكنى “عبدالقادر الروجي”، ذبّاح بشير، عزوق مقران، عوار محمد، علالو حميدة المدعو أبوخالد … الخ.
إتصل بي هاتفيا صحفي من وكالة الأنباء الفرنسية على ما أذكر إسمه عامر والي، بعدما وصله البيان الذي حررته، وبعد حديث متبادل عن القضية وتاريخي وتجربتي في الجيش الوطني الشعبي، أخبرني أنه سيتحدث مع المسؤولين حول شهادتي وسيعيد الإتصال بي مرة ثانية في حال الموافقة، غير أنه لم يفعل ولا حدثني عن أسباب ذلك ولا قدّم لي أدنى إعتذار، ولم تتناول الوكالة الموضوع طبعا. ولكن لاحقا علمت أن الإدارة رفضت شهادتي لأنها لا تتماشى والوجهة الرسمية الفرنسية، وخاصة أنها تحمل جوانب قوية قد تنسف ما تراهن عليه فرنسا للضغط على الجزائر لحسابات إقليمية وتاريخية واقتصادية وأمنية وسياسية ودبلوماسية لا علاقة لها بالقضية، وليس المجال لبسطها قد نعود لها في مناسبة لاحقة.
ولمعرفة تفاصيل أخرى أكثر عن أسباب هذا الإقصاء، وخاصة أنني معروف في الساحة ولدي حضور إعلامي واسع النطاق، كما أن شهادتي تتمتع بالمصداقية بحكم تجربتي العسكرية والصحفية وحتى في السجون التي مررت بها. إتصلت هاتفيا بوكالة الأنباء الفرنسية، حوّلني المتحدث إلى أحد المسؤولين في الوكالة الذي قدم لي نفسه على أنه أحد رؤساء التحرير، وشرحت له حينها البعض من جوانب شهادتي، وقد إستمع لي بإهتمام بالغ بادئ الأمر، وخاصة لما قدمت له نفسي على أنني كنت ضابطا في الجزائر، وأحمل حاليا صفة لاجئ سياسي في فرنسا، وهو الذي أوحى له أن الأمر سيدخل في إطار كسب شاهد جديد سيورّط النظام الجزائري والمؤسسة العسكرية، فلا يعقل في نظره أن يأتي لاجئ سياسي ومناهض للحكومة ويقدم شهادة تكون لصالحهم، كما علّق بعدما فهم وجهة نظري.
فقلت له: يا سيدي أنا لست معارضا للنظام الحاكم في الجزائر، وليست لديّ مشكلة معه أساسا، أنا كاتب وصحفي فقط أبحث عن الحقيقة دوما ولو في أدغال الأمازون، ولو كان الأمر كما يزعم جنرالكم ما تأخرت لحظة في الجهر به، لأنني لا أخشى في الله لومة لائم، وهؤلاء أبرياء قتلوا بصورة بشعة كباقي الجزائريين ممن لو أعدنا مشاهد إبادتهم لقتلتنا الصدمة من هولها.
فرد قائلا: لكن ما ترويه يا سيد أنور مجافي للحقيقة.
فقاطعته غاضبا: يعني أنني أكذب أو أزايد… هذا لن أسمح به.
أجابني بلهجة الأسف: لا ليس كذلك سيدي، ما كان يقال لكم كضباط بسطاء غير ما كان يجري في كواليس المخابرات، المعلومات المهمة كالتي تتعلق بالرهبان تحجب عنكم ولا تصل إلا لمجموعة معينة على مستوى قيادي رفيع المستوى.
قلت له: أنشروا شهادتي واتركوا الرأي العام يحكم…
بلهجة متلعثمة: لا يمكن ذلك أبدا لدينا رؤية تحريرية واضحة في القضية.
رددت عليه: يبدو أنكم تصرّون على شيء واحد، ولو عاد أحد الرهبان للحياة وروى القصة كاملة ما صدقتموه، أو ربما تتهمون الجيش الجزائري أنه أحياه بعدما جنّده لصالحه.
ثم تساءلت: هل فرنسا تبحث عن الحقيقة أم تريد الوصول لشيء آخر تبيّته؟
أجاب بنبرة تردد: أكيد الحقيقة، ولكن نحن صرنا نراها واضحة وقد أتت على ألسنة شهود مهمين. فرددت عليه: أولا أنت صحفي ولست قاضي تحقيق، وثانيا أنا كنت ضابط في المؤسسة العسكرية وبعض الأشخاص الذين تتحدثون عنهم لا علاقة لهم بالقضية على الإطلاق.
فأجاب بما يراه نصحا لي: إن أردت أن تزعج نظامكم وأنت لاجئ سياسي في فرنسا فالأفضل أن تركب قطارنا، كما فعل الكثيرون.
فقلت له: ليس هدفي في الحياة إزعاج هذا أو ذاك، ولا لدي تصفية حسابات – كما قد تتخيل- تدفعني إلى أن أنسج الأساطير أو أوافق عليها. أنا رجل محب للحقيقة ولا أنتصر لأي باطل ولو كان صاحبه ملاك طاهر، بل أنا أحب الحقيقة ولو كانت لصالح الشيطان.
ولما سألته عن الكثيرين الذين أشار إليهم في حديثه، ذكر ما لم يتجاوز عدد الأصابع، وهم من الأشخاص الذين يحلبون في إناء المخابرات الفرنسية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وآخرون لم يدخلوا الجزائر منذ الثمانينيات ولا يعرفون شيئا حتى عن الجبهة الإسلامية المحظورة، وإن كانوا لبسوا جبّتها وتزيّنوا بعمامتها، لأجل إيجاد مكان لهم بالمشهد الإعلامي في مرحلة كان الشأن الجزائري يصنع الحدث بإمتياز، خاصة في فرنسا بالذات.
قلت له معلقا على الأسماء التي ذكرها، والتي يعرفها الكثيرون من خلال إطلالاتهم عبر الفضائيات: أنا لا أهتم برأي فلان أو موقف علاّن وكل واحد له أسبابه ودوافعه ومصالحه وتجارته، ما يهمني هو الشيء الذي أرى نفسي على حق فيه، وقد إقتنعت به لشواهد كثيرة، بينها التي عايشتها ولا يمكن لأي كان مهما بلغت حجّته، أن يجعلني أغير موقفي فيها، وأيضا توجد أمور سمعتها مباشرة من الذين عايشوها في الجبال، وليس ممن يريدون الحصول على الإمتيازات، ولو كان على حساب البلد والحقيقة الواضحة كالشمس في رابعة النهار.
إنتهى الحوار بيننا والذي أوردت القليل من جوانبه، وتوصلت إلى نتيجة مفادها أنه لا يمكن نشر شهادتي على الإطلاق، لأنها تتنافى والموقف الذي يتبناه اللوبي النافذ في فرنسا، والمسيطر على وسائل إعلامها. ويكفي دلالة على خطر الملف وألغامه، ما تعرض له المحقق الصحفي الفرنسي ديديي كونتان، الذي قيل أنه سقط في 15/02/2004 من شرفة شقّة بالطابق السابع من عمارة في باريس، أدّى ذلك إلى مصرعه الغامض والذي تدور حوله أسئلة كثيرة، وفي وقت كان يستعدّ فيه لنشر تحقيقه عن رهبان تبحيرين، تؤكد المصادر المتعددة أنه ذهب فيه جازما بعد تحقيقات مضنية، إلى أن الجريمة اقترفتها “الجيا”، أدى ذلك لإتهامات كثيرة تعرض لها من بينها أنه عميل للمخابرات الجزائرية، وخاصة من طرف الصحفي في “كنال بلوس” جون بيبستيت ريفوال الذي أعدّ تحقيقا مضادا ومشهّرا بكونتان، هذا المحقق الكبير الذي وصفته زوجته رينا شرمان بأنه “ضحية تبحيرين الثامنة”، في كتاب تناولت فيه القضية ونشرته بفرنسا.
لم أستغرب ذلك أبدا وخاصة أنني تعرضت لإبتزاز بمختلف الألوان والطعم والرائحة، لما وضعت أقدامي الأولى في باريس ذات صباح من مطلع شهر ديسمبر 2006، وعندما بلغ أمري لتجار المأساة الجزائرية، هبّوا لاهثين كعادتهم من أجل الفوز بصيد ثمين، برغم الظروف السيئة التي كنت أمرّ بها، وبرغم الإغراءات المسيلة للعاب، رفضت أن أورّط نفسي مع هذه العصابات التي تقودها الأممية الإشتراكية لحسابات تاريخية وقديمة، لا يفهم معانيها إلا المتبصّر بماضي الإستعمار وتقلبات مزاجه.
رفضت أيضا أن يتاجر الآخرون بتجربتي العسكرية كما جرى لبعض الضباط من قبل، واليوم صاروا يعضّون النواجذ ندما على الأقل في قرارة أنفسهم، لأنهم باعوا أسماءهم وشرفهم في أسواق النخاسة والنجاسة، ولمن كان هدفهم ليست الحقيقة ولا الدفاع عن الأبرياء ممن سقطوا في تلك المرحلة الدموية، بل الأهداف مبطنة بدأت تظهر خيوطها للعلن الآن، وستكون أكثر وضوحا في المستقبل القريب.
من قلب المؤسسة العسكرية إبّان مجزرة الرهبان
لقد كنت خلال عام 1996 لما وقعت المذبحة، أعمل كضابط في المجموعة 14 للوسائل المضادة للطيران والتابعة لقوات الدفاع الجوي عن الإقليم، وقد كنت حينها مسؤولا عن المحافظة السياسية التي صارت تسمى مصلحة الإيصال والإعلام والتوجيه، كما أنني كنت قبلها رئيسا لمصلحة رادار الصواريخ.
وقد كان خلال تلك الفترة بهذه المجموعة، مركز عملياتي لمكافحة الإرهاب، يتواجد بالبطارية النارية الثالثة ببوزريعة وآخر بأولاد فايت، ويرتبط مباشرة بالمركز الأم للقطاع العسكري في بني مسوس “الجزائر العاصمة”، الذي تخصص في مجال محاربة الجماعات المسلحة وحماية أمن المنطقة التي كان يعيث فيها فليشة وجماعته قتلا وتدميرا.
وكانت لنا كتيبة تعمل في أعالي العاصمة ويمتدّ نشاطها من منطقة بولوغين مرورا بالسيلاست وبوزريعة إلى غاية غابة باينام الساخنة، وقد كنت أتابع في مركز العمليات المتواجد بالرغاية حيث مركز قيادة المجموعة المضادة للطيران، ما يتردد عبر اللاسلكي بين قادة كتائب الجيش في المدية والبليدة والعاصمة وبومرداس وتيزي وزو والبويرة، من خلال الراديو الذي نملكه في إطار هذا العمل. وكنت أسمع من خلال الشفرات التي بحوزتي ما مفاده، أن القيادة تدعو وتحرص على حياة الرهبان بأي تكلفة كانت، كما وزعت على مصالحنا صور الرهبان باللحية أو حتى من دونها، وكنت أقوم شخصيا بتعريف كل عناصر الكتائب التي تعمل في مجال مكافحة الإرهاب على هؤلاء المختطفين، وهذه بصفتي كنت المحافظ السياسي للوحدة، وكنت أنقل لهم ما يأتينا من أوامر عليا، على أن القيادة العسكرية والجنرال محمد العماري شخصيا الذي كان حينها قائدا لأركان الجيش، يحرص على حياة المختطفين مهما كان الثمن، بل كنّا نسمعه مرارا وتكرارا عبر اللاسلكي يؤكد على ضرورة الحرص على سلامتهم.
وأؤكد لله ثم للتاريخ، أن الرجل ظلّ يأمر جميع قوات مكافحة الإرهاب وفي حالة شك بوجود احد الرهائن مع عناصر تابعة للجماعات المسلحة، فإنه يمنع منعا باتّا إطلاق النار عليهم أو التعرض لهم بسوء، ولو كان العسكر ضحية لهجوم أو طلقات نارية من طرفهم ، بل يجب توخّي الحذر والحيطة في إصابة أي عنصر ممن يحتمل أنه أحد الرهبان المختطفين.
وقد زارنا خلال فترة الإختطاف الجنرال العودي عاشور وهو قائد قوات الدفاع الجوي عن الإقليم في تلك الأثناء، وكان برفقته عدد من القادة العسكريين السامين، وما تحدث فيه معنا اللواء عاشور هو ضرورة الحرص على عدم التعرض للمدنيين، لأن الجزائر ستكون على فوهة بركان وخاصة من الطرف الفرنسي. وأذكر أنني سألته شخصيا عن قضية الرهبان المختطفين، فرد بالحرف الواحد: لو حدث مكروه لهم ستدفع الجزائر الثمن غاليا، وسنتهم نحن بالوقوف وراء قتلهم ولو كانوا الآن مع “الجيا”، وسنعمل على إسترجاعهم أحياء ليكشفوا للعالم ولفرنسا التي تأوي بعض المتطرفين على ترابها، حقيقة هذه الفصائل الإرهابية.
والتفسير الوحيد والواضح غير القابل للمزايدات، الذي يمكن أن نخرج به من خلال ما عايشته شخصيا، أن قيادة المؤسسة العسكرية كانت حريصة جدا على حياة الرهبان وسلامتهم، ومن يزعم أن السلطات كانت تريد قتلهم أو التضحية بهم فهو مخطئ وكاذب. بل كنّا نتلقى الأوامر اليومية التي ننقلها للمجندين والعسكريين في التجمعات الصباحية أو المسائية، على أنه يجب الحفاظ على حياة الرهائن لأنهم الوحيدون الذين بإمكانهم كشف تفاصيل ومخططات التنظيمات الإرهابية من الداخل، وخاصة أنّهم أجانبا ورجال دين لهم مصداقية في الغرب، لأن النظام كان منزعجا إلى أبعد الحدود من تواجد أنصار جبهة الإنقاذ في الدول الأوروبية ويتمتعون باللجوء السياسي، وهم من يوفرون للجماعات المسلحة كل الدعم والمساندة والترويج الإعلامي والديني، بل ثبت عليهم تهريب أسلحة ومتفجرات وأموال.
ومن جهة أخرى أن القيادة العسكرية كانت بقدر ما تحفّز على ضرورة الحفاظ على حياة هؤلاء المختطفين، بقدر ما هددت بصرامة، أن أي عنصر يتورط في شيء ما يخالف الأوامر، سوف يتعرض لعقوبات قاسية، بل سيقدم حتى للمحاكمة العسكرية إن اقتضت الضرورة.
أمر آخر يمكن إضافته، أنه بعد عملية الإغتيال ذبحا، وصدور بيان “الجيا” رقم 44 الشهير، الذي تبنّى العملية ووقعه حينها الدموي جمال زيتوني، فقد حضرت محاضرة ألقاها الجنرال عبدالسلام بوشارب الذي شغل منصب مدير الإيصال والإعلام والتوجيه في وزارة الدفاع الوطني، التي كانت من قبل تعرف بالمحافظة السياسية كما ذكرنا سابقا، وأتمنى من الجنرال المتقاعد أن يدلي بشهادته وخاصة أنه مثقف وكاتب وباحث له مؤلفات عديدة. وقد كان ذلك بالمدرسة العليا للدفاع الجوي عن الإقليم “الرغاية”، وقد كشف لنا تفاصيلا متعددة وأعطى مقاربات مختلفة عن القضية التي أحدثت زوبعة كبيرة حينها.
حيث أكّد في مجمل حديثه الفصيح جدّا، أن “الجيا” تراهن على أزمة ما بين فرنسا والجزائر من خلال ذبح الرهبان بتلك الطريقة القذرة، وأن الجزائر خسرت كثيرا عندما لم تتمكن من فكّ أسرهم، لأن لهم مصداقية عالمية لدى وسائل الإعلام الغربية أو حتى لدى السلطات الأوروبية. بل أشار إلى أن الجيش كان مستعدا لدفع الملايير من أجل إطلاق سراحهم أحياء، ومما قاله أيضا وبتهكّم كأنها فراسة من ظهر الغيب: لو أنّه تمّ إطلاق سراحهم لقالوا أن الجيش هو من إختطفهم من أجل تشويه سمعة الإرهابيين !!
أمر آخر مهم فقد كنت صيف 1997 بسجن البليدة العسكري حيث قضيت مدة نصف سنة تقريبا، وإلتقيت حينها بعسكريين من مختلف النواحي والكتائب، وقد أكّد لي أحدهم وإسمه مراد – لا أذكر لقبه العائلي – وكان من القوات الخاصة وينحدر من ولاية سوق أهراس، حيث شارك في عمليات التمشيط في جبال المدية بحثا عن الجماعة المسلحة التي تختطف الرهبان، وقد سجن بسبب رميه لقنبلة على حركة أحسّها بين الأحراش و”لحسن حظه” أن الذي كان يتحرك هو خنزير وليس مسلحا، وقد عاقبه القائد لأن التعليمات التي وجهت لهم، أنه يجب الحفاظ على حياة الرهبان مهما كان الأمر، وان أي مقاتل قد يتورط في إطلاق النار بعشوائية أو يتسرع من دون تبيّن، ويتسبب في إصابة أي أحد من المختطفين سيدفع الثمن غاليا، ولما سألته: وكيف يمكن أن تحرروهم وهم مع جماعة مسلحة ولديهم الذخيرة الحيّة؟ فأجابني: أن القيادة أمرتنا إن تمّ إكتشاف مكان تواجدهم فعليهم بمحاصرتهم فقط، وسيتم التفاوض معهم من أجل إطلاق سراح الرهبان ومقابل أي شرط يطلبونه.
ومما تقدم والذي أوردته بإختصار جد شديد، وليس دفاعا عن الجيش فلست مخولا بذلك، ولا هو انتصار لأي طرف ما، إنما ذود عن حمى الحقيقة والتاريخ ودم الرهبان الأبرياء، فقد تأكّد أن المؤسسة العسكرية حرصت على حياة الرهبان كثيرا، وأنهم كانوا يعتبرون طوق نجاة مهمّ في الحرب على الجماعات المسلحة المتطرفة، وخاصة في ظل الدعم غير المعلن الذي كان يتلقاه نشطاء هذه الجماعات الدموية في الغرب. والذين يزعمون أن خطفهم وقتلهم هو مخطط لتأليب الرأي الغربي ضد الجماعات المسلحة فهو تفكير ساذج ينافي ما عشناه ميدانيا خلال تلك الفترة، ويتناقض تماما مع توجهات المؤسسة العسكرية حينها، التي كانت تراهن على الإستقرار الأمني بأي طريقة كانت، ولن يتحقق ذلك إلا بحماية أرواح الناس وممتلكاتهم.
إرهابيون من وراء القضبان يكشفون الحقيقة
أثناء فترة سجني عام 2005 حتى إلى 2006 مع الإسلاميين بسجن الحراش، إلتقيت بكثير من قدماء الجماعة الإسلامية المسلحة “الجيا” وحتى أمراء فيها، ممن هم الآن تحت طائلة أحكام متعددة أغلبهم عوقبوا بالإعدام. وكان أشهر من عايشتهم في قاعة واحدة، وتحدثت إليهم لفترات مختلفة، نذكر محمد شامة والمكنّى “القعقاع” والذي كان الذراع الأيمن لعنتر زوابري أبرز الأمراء الدمويين، وهو ينحدر من منطقة بوقرة ولاية المدية، وقد إلتحق بالعمل المسلح عام 1993 وعايش أغلب أمراء “الجيا”. وتحدث لي عن القضية وكشف لي معلومات مهمة، هذا السجين الذي حكم عليه بالمؤبد بتاريخ 21/03/2007، ثم أعيدت محاكمته في 20/01/2010 وصدر في حقه الإعدام لفظاعة ملفه القضائي.
فقد قال لي القعقاع أنه التقى بالرهبان خلال فترة اختطافهم في جبال تقع ما بين البليدة والمدية، وكانوا في ظروف سيئة للغاية، فقد تعرضوا للتعذيب المبرح والبشع، وظلّوا يجبرون على نطق الشهادتين والصلاة بالإكراه، كما يرغمون على التغوّط على الصلبان وبعض كتبهم المقدسة التي كانت بحوزتهم. وأخبرني أن جمال زيتوني ظلّ مصمما على قتلهم حتى لو استجابت السلطات الفرنسية لمطالبهم، لأنه يراهم كفّارا ويدعون للضلال في أرض الإسلام حسب زعمه، كما أنه لمس حرص “الطاغوت” – كما ورد على لسانه – على حياتهم وسلامتهم.
وأضاف لي على أن الأماكن التي تواجدوا بها لا يمكن أن تصل إليهم قوات الجيش أبدا، فقد كانوا في كهوف تحت الأرض وكل المنطقة محصّنة بالألغام، وهذا الكهوف الحجرية لا تدمرها حتى القنابل النووية.
وحتى لا أعيد كل ما قاله لي القعقاع لأنه طويل ويحتاج إلى كتب، فقد أكّد على أن جمال زيتوني ذبح منهم ثلاثة رهائن وبيديه، وواحد ذبحه نورالدين بوضيافي وهو آخر أمراء “الجيا” ومن مواليد 14/06/1969 بالعامرية “ولاية المدية”، أما الآخرون فقد تداول عليهم بقية الأمراء، ولم يسمح للجند بالمشاركة في العملية التي كانت تعد تاريخية ولا ينال “الشرف” إلا الأمراء والقادة !!.
ونقل القعقاع على لسان الدموي عنتر زوابري الذي كان مقربا ومرافقا له طيلة سنوات، أنه في أحد المرات وهو يتحدث عن جمال زيتوني وقصته مع الرهبان، إقترح زوابري على جمال زيتوني قتل واحد والتهديد بقتل الآخرين، وكل مرة لا تستجيب فرنسا لمطالبهم، يذبحون راهبا ويوزعون الصور، وأكيد بعد قتل ثلاثة في أكثر تقدير، ستخضع فرنسا لمطالبهم وتضغط على الجزائر كثيرا، ويكون للقضية تأثير وصدى دولي أكبر من نحرهم دفعة واحدة، وهو ما يؤلب الرأي العام الفرنسي في آن واحد. غير أن زيتوني – حسب زوابري – رفض ذلك، وتحجج وعربد بأنه سيخطف حتى السفير الفرنسي من محلّ إقامته، وأن النصر حليفهم قريبا.
ولما سألته عن ما يقال لدور ما للمخابرات الجزائرية في ذبح الرهبان، فقد نفى ذلك نفيا قاطعا وقال لي بالحرف الواحد: لو لم يقتلهم زيتوني وبقوا على قيد الحياة ما إستطاعت المخابرات ولا الجنّ الأزرق أن يصل إليهم !!
أما عبدالقادر الروجي واسمه الحقيقي محمد صدوقي، فقد كان ضمن كتيبة تنشط في منطقة الأربعاء بالبليدة، والذي إستفاد من عفو ميثاق السلم والمصالحة شهر مارس 2006 ولكنه عاد للعمل المسلح وقضت عليه مصالح الأمن لاحقا، فقد أكّد لي ونحن في سمرنا المعتاد، أن جمال زيتوني هو من قام بذبحهم، وإن إختلف مع القعقاع حول عدد الرهبان الذين ذبحهم زيتوني بيده، فقد أصرّ الروجي على نحر أربعة من طرف الأمير الوطني لـ “الجيا”. وهذا الذي سمعته أيضا من عند عوار محمد وعزوق مقران المحكوم عليهما بالإعدام، وهم من آخر عناصر تنظيم “الجيا” الذين قبض عليهم.
علالو حميدة كان الذراع الأيمن لحسان حطاب المؤسس والأمير الوطني السابق للجماعة السلفية للدعوة والقتال، فقد جمعتني به أيام السجن، حيث كان موقوفا في جناح العزلة بسجن الحراش بعد تحويله من سجن سركاجي، وقد تواجدنا معا في باحة مشتركة ما يقارب الشهرين، بل جمعتني به زنزانة واحدة لمدة 5 أيام كاملة قبل أن يفرج عني في 04/07/2006. حميدة وكنيته “أبوخالد” من مواليد 10/10/1966 بدلس “بومرداس”. التحق بمعاقل الإرهاب عام 1995 ضمن سرية دلس التي كان أميرا عليها عبدالعزيز شريف المكنّى الشريف، وبعدها التحق بسرية الفتح، ثم سرية الأنصار، إلى أن قربه حسان حطاب منه عام 1999 وصار ذراعه اليمنى. بل قام معه بعمليات عديدة منها مثلا مداهمة ثكنة بقرية تيسيرة والواقعة قرب غابة ميزرانة حسب إفادته.
كلّفه حسان حطاب وكنيته “أبوحمزة” بالاتصالات الخارجية رفقة كل من عيونيس محمد يوسف المكنى “ابوبصير”، وممثل الجماعة في ألمانيا المسمى آيت الهادي مصطفى، وأيضا علواش رضوان ومحرز حنين في إسبانيا. ومما يذكره علالو حميدة أنه قضى فترة وبأمر من حطاب، مع مختار بلمختار “لعور” في الجنوب الجزائري، وكان برفقته المدعو نصرالدين مليك وكنيته أيوب، وكانوا في مهمة تهريب أسلحة من مالي والنيجر للجزائر.
بخصوص رهبان تبحيرين فقد سألته عن ذلك ونحن نتبادل أطراف الحديث عن قضايا مختلفة، فقد روى ما سمعه من حسان حطّاب وبعض معاونيه، ومجمل الحديث يؤكد على تورّط جمال زيتوني في إعدامهم ذبحا، وأضاف حميدة:
“أبوحمزة لم يكن حاضرا في عملية الإعدام لأنه لم يكن متواجدا في أعالي المدية خلال تلك الفترة، ومما ظلّ يردده وبناء على شهادات مقربين منه كانوا من قبل مع جمال زيتوني، أن عملية الإعدام جرت بحضور قياديين في الجماعة الإسلامية المسلحة، وكان قرار قتلهم قد إتخذه زيتوني ولم يناقشه فيه أي كان سوى بعض أعضاء مجلس الأعيان، الذين إقترحوا أن لا يتم قتلهم دفعة واحدة، بل عبر مراحل للضغط على فرنسا وتهييج الرأي العام الأوروبي والكنسي خاصة، وهي المشورة التي رفضها زيتوني وأغلبية مجلسه المقربين منه”.
ولما سألت حميدة عن مكان تواجده عام 1996 عندما أعدم الرهبان، فقد أكد لي أنه كان يرابط بمنطقة الثوابت بدلس، وقد شهد ذلك الوقت إنكشاف أمره لدى مصالح الأمن وصار مطلوبا بصفة رسمية، وقد كان برفقة عناصر من السرية التابعة للجماعة الإسلامية المسلحة “الجيا”، وقد بلغهم خبر الإعدام عن طريق المدعو عبدالعزيز ناصر المكنّى كويسي، والذي كان في مهمة لدى الإمارة في أعالي البليدة. وقد نقل لهم بيانا داخليا وقعه جمال زيتوني، وبشّر فيه كالعادة بخبر إعدام الجماعة للرهبان الصليبيين – على حد تعبيره- .
هذه شهادات أخرى من وسط التنظيم الإرهابي المثير للجدل “الجيا”، وعلى ألسنة من لا يزالون على قيد الحياة، والتي تؤكد على أن أمير الجماعة جمال زيتوني هو من قام بذبح الرهبان، وأن الجيش لم يتمكن من الوصول إليهم وفكّ أسرهم، وليس كما صار يروج سواء عن طريق وسائل الإعلام الفرنسية أو بعض ممن يبحثون عن الأضواء، وللأسف بينهم ممن غرّر بهم من أبناء الجزائر العميقة.
إنطلاقا مما تقدم، فقد تأكد لدينا أن المؤسسة العسكرية الجزائرية كانت تحرص على تحرير الرهبان ومهما كان الثمن، لإعتبارات عديدة أشرنا لبعضها، وأيضا أن هؤلاء كانوا في نظر الجماعة الإسلامية المسلحة “الجيا”، وبحكم فتاويهم، هم كفار يمارسون نشاطا تنصيريا وتبشيريا من أجل توريط الجزائريين في الردة عن الإسلام. فضلا من كل ذلك أن إثارة الحرب مع فرنسا سيجعل الجزائريين الناقمين من الإستعمار يتعاطفون معهم ويدعمونهم كما كان يخيل لهم. وهي من أبرز دوافع تصفيتهم من طرف جمال زيتوني، والذي دخل في مفاوضات سرية مع المخابرات الفرنسية خارج الإطار الرسمي الجزائري، ولكن الأمور سارت عكس ما يريدون، فأعدم الرهبان بطريقة ذبح بشعة تقشعر لها الأبدان، بعدما أحسّوا أن المخابرات الفرنسية لم تكن جادّة في إنقاذ أسراها، حسب بعض الشواهد.
وهنا يجب الإشارة إلى أمر هام، أن هؤلاء الذين كانوا يتحدثون عن القضية، لا يزالون على عقيدتهم التكفيرية ولا يرجون عفوا ولا يتوددون لأحد، وأيضا هم يتباهون بجرائم الجماعة الإسلامية المسلحة في ظل الصراعات بينهم من وراء القضبان، على أساس أنها من أبرز إنجازات الحركة الجهادية في العالم الإسلامي، كما أنهم ظلّوا يرفضون تلك الإتهامات التي تفيد بوقوف جهات إستخباراتية وراء “الجيا”، بل يعتقدون يقينا أنها تنظيم إلهي ورباني، وأن الأمراء الذين مرّوا على رأسها هم من أطهر الناس وأخلصهم للجهاد والشهادة على حد زعمهم الموبوء.
شهود زور وإنتقاميون في مزادات سرية
في ظل حمّى الحديث المتكرر عن قضية رهبان تبحيرين، ظلّ الإعلام الغربي وخاصة الفرنسي، يظهر من حين لآخر من يسمّيهم شهود الحقيقة، حتى لو كانوا مجرد بيادق وباحثين عن الأضواء والإثارة ولو على حساب القيم والمقدسات.
بينهم من كانوا يعملون في المؤسسة العسكرية، وبرتب تؤهلهم أن يقدموا القهوة والشاي كنوادل في نوادي الثكنات فقط، ولا يتسنّى لهم مطلقا دخول مطبخ الضباط حتى ولو كان تطفلا ومن وراء الستار، فكيف يا ترى توصلوا لتلك الأسرار الخطيرة للغاية التي تتعلق بشأن دولي أو حتى مصيري للبلاد؟ !!
وأكثر من كل ذلك أنه لأسباب متباينة – بينها الأخلاقية – جرى طردهم والإستغناء عن خدماتهم التي كانوا يتعالون بها على عموم الناس.
آخرون ينتمون إلى تيارات مختلفة تناهض الحكومة وتناصر الإسلاميين والتطرف، بل يوجد من كان يتبنّى علنا العمليات الإرهابية كالتفجيرات في الأماكن العمومية وقتل الأبرياء والمدنيين ومن دون أدنى وازع أخلاقي ولا إنساني. والآن هو يدافع عن هؤلاء القتلة بمحاولات تبييض سوادهم وتوريط الأبرياء في دماء الجزائريين، ضمن أطروحة “من يقتل من؟” البائدة، والتي أثبتت الأيام زيفها، فضلا عن الجهات المشبوهة التي تقف وراءها، ضمن تلك الصورة المشوّهة وغير البريئة إطلاقا.
ويوجد من يحاول خلق قصص من أساطير خلت لتبرئة هذه الجماعات من عقيدة وعقدة التكفير والهجرة التي تنتهجها، وكأن هؤلاء الذين صعدوا للجبال وحملوا السلاح ونصبوا الكمائن وزحفوا على القرى والأرياف، وأبادوا المدنيين والعزّل، وبقروا بطون الحوامل وذبحوا الأطفال الرضّع وأعدموا حتى الشيوخ الركّع، كانوا في سياحة وليسوا في حرب شاملة على البلاد والعباد.
إن الدماء التي أهرقت في الجزائر لا يمكن أن يقرر المتهم والبريء فيها، من خلال شهادة معزولة تأتي من طرف شخص عمل لفترة في المؤسسة العسكرية، أو من خلال آخر كان ليوم غير بعيد يدافع عن القتلة والمجرمين ويتبنى مواقفهم ويبحث عن الدعم لهم في الغرب. فالنوايا والأحقاد والحسابات الشخصية يجب أن تؤخذ بعين الإعتبار في الشهادة، فلا يمكن أن نقبل شاهد عرف عنه حقده على المتهم أو الضحية، أو له مصلحة في دفتر القضية، ولا يمكن قبول شهادة ترتبط بأجندة أو ظروف شخصية وخاصة.
كما لا يمكن أن نعتدّ بشخص يريد أن يظهر إسمه على صدر الصفحات الأولى أو على واجهة عناوين الأخبار الرئيسية في القنوات الفضائية، من أجل أن يتحصّل على اللجوء السياسي في فرنسا، بعدما عجز على ذلك في بلاد أخرى، ولا يزال يطوف من مكان لمكان بعدما ثبت زيف إدعاءاته لدى الجهات الرسمية صاحبة الشأن في القضية.
يرى البعض أن الشهادة لصالح الحقيقة عندما تكون في صفّ أي نظام حاكم هو من الخطأ الجسيم الذي لا يغتفر، بل يجب الصمت إن لم يستطع أحدهم أن يجاري الكذب، كما أفتى لي شخصيا أحد أدعياء الدين والسياسة والإرهاب يوما، وهو منطق غريب لا يشبه إلا منطق المعارضة العراقية، التي تحالفت مع الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش والمحافظين الجدد بالبيت الأبيض، من أجل غزو العراق وتدميره، وتحت شعارات الديمقراطية وإنهاء الديكتاتورية إمتطوا دبابات المارينز ودخلوا بغداد فاتحين، وأدى ذلك إلى سقوط ملايين الضحايا والمشردين واليتامى والأرامل والنازحين واللاجئين، وخربت البلاد بطائفية عمياء وهي مهددة بالتقسيم إلى فتات وأجزاء وفق أجندة صهيونية بإمتياز.
أرى أن الأمر لا يختلف في قضية الرهبان، فمن يسمّون أنفسهم معارضين للنظام الحاكم ومن الخارج، يشككون في كل شيء، بل يقدمون خدمات مجانية إلى جهات مصالحها ليست كما يتخيل هؤلاء أبدا، وللأسف الشديد يتبجحون بأنهم يخدمون الشعب الجزائري ويقدمون له الجميل عبر الأنترنيت والفضائيات التي صاروا زبائنها.
إن تبرئة الإسلاميين من دماء الجزائريين هي جريمة في حق هؤلاء الضحايا الأبرياء، وتبرئتهم من دماء الرهبان وفق أطروحات نسجت خيوطها في مخابر الظل المعروفة، هي جريمة في حق هؤلاء من جهة وفي حق الوطن من جهة أخرى.
والمتتبع لكل ما يقدم من سيناريوهات تظهر من حين لآخر وفق منطق المصالح والمصالح المضادة، يتأكد مما لا يدع مجالا للشك ولا الريب، أن القضية أكبر من دماء ضحايا ذبحتهم آلة التكفير العمياء التي روج لها بعض رجال الدين وأدعياء السياسة، وللأسف الشديد صار يتغنى لها الآن بصيغة أخرى حمقاء ممن يعتقدون أنفسهم بأنهم رجال تغيير واعتدال ووسطية.
وأغتنم الفرصة لأؤكد من خلال ما رأيته لدى هؤلاء “المعارضين” وأشباههم، أنهم لن يترددوا لحظة لو تتاح لهم فرصة العودة للجزائر على متن دبابات ولو تكون إسرائيلية، فالحقد الدفين الذي يكنّونه لا يمكن تصوره، وقد دفعنا حتى نحن الثمن غاليا، فقد لاحقتنا التهم من كل جانب، وفتحوا منابرا عبر الشبكة العنكبوتية للنيل منّا، والتشكيك في أصلنا وفصلنا، أرضنا وعرضنا، لوننا وحولنا…
لقد صمتنا عنهم كثيرا وقلنا علّهم يعودون لرشدهم، يترفعون عن السفاسف والأباطيل، ويساهمون في بناء الدولة العصرية المنشودة والراشدة، التي هي في أمس الحاجة لكل أبنائها المخلصين للهوية والوطنية الصافية والصادقة، وكما هي أيضا تبحث وتتطلع لمن يعرّي مواطن الخلل والفساد وفق منطق العلاج والبناء وليس التصفية والهدم. ولكن ذهب حلمنا أدراج الرياح، وواصل هؤلاء الذين يسبحون في فلك أجهزة غربية نعرفها جيدا بحكم تجربتنا في المنفى واللجوء، ولهذا قررنا أن لا نصمت بعد اليوم، وسنعرّي هؤلاء في كل فرصة تتاح لنا، فالمعارضة التي ولدت مطلع التسعينيات عندما لم تجد قيادة راشدة وواعية وناضجة وأصيلة، تحول الأنصار والمناضلون إلى قتلة ومجرمين بسبب الفكر السلفي المستورد من أدغال أفغانستان، وهي مؤامرة تورطت فيها حتى أطراف من السلطة حينها وللأسف لا يزالون على غيّهم وضلالهم القديم، بالرغم من أنهم أحيلوا على المعاش وجرى الاستغناء عن نفوذهم وخدماتهم.
نشر المقال في 4 حلقات على جريدة الشروق اليومي:
- الحلقة الأولى بتاريخ 08/07/2010 – نسخة من الجريدة الورقية PDF
- الحلقة الثانية بتاريخ 11/07/2010 – نسخة من الجريدة الورقية PDF
- الحلقة الثالثة بتاريخ 12/07/2010 – نسخة من الجريدة الورقية PDF
- الحلقة الرابعة بتاريخ 13/07/2010 – نسخة من الجريدة الورقية PDF








التعليقات (0)