ثلاثة أيام في الداخلة مع شعب لا يؤمن إلا بتقرير المصير

2010/08/08

ثلاثة أيام في الداخلة مع شعب لا يؤمن إلا بتقرير المصير

سمعت الكثير جدا عن مدينة الداخلة الصحراوية، وقرأت عنها الأكثر، خاصة حول كفاحها عبر التاريخ وتصديها لكل أنواع الإستعمار والوجود الأجنبي، فضلا عن موقعها الاستراتيجي المسيل للعاب وثرواتها السمكية التي لا يشبهها أي مكان.

وإنطلاقا من هذه الخلفية التي تعشعش في ذاكرتي، كنت دوما أتمنى أن أزورها، وأنعم برؤية كل مدن الصحراء الغربية، وأقف عن قرب على كل الأشياء التي نقرأ عنها، أو أستجلي الحقائق الأخرى المغيبة التي طواها التعتيم والتجاهل، لحسابات مختلفة يعرف شأنها جيدا أصحاب القرار والفعل هنا وهناك.

عندما تلقيت دعوة للمشاركة في ملتقى وصف بالدولي، والذي يتناول قضية الصحراء الغربية، ومستقبل الأمن الإقليمي في منطقة المتوسطية، فكّرت كثيرا وخاصة أنني أعرف أبعاد وخلفيات القائمين عليه، أو الآخرين الذين يدفعون إليه من وراء الستار، كما أن وجودي ككاتب وصحفي جزائري في مثل هذه النشاطات المخزنية، ستقرأ في إتجاه تدعيم الأطروحة المغربية، بل كنت على يقين أنني سأتعرض للنقد، وربما يطالني التجريح وتلاحقني الإساءة.

لكن إيمانا منّي على أن الوصول للحقيقة والتوغل في أعماق هذه المنطقة يحتاج للصبر والهدوء وسعة الصدر والتجلد والإحتساب، وحتى التمويه وربما التقية أحيانا، فقررت أن ألبّي الدعوة التي أتتني من أنصار الأطروحة المغربية القاضية بالحكم الذاتي للصحراويين تحت السيادة المغربية، وهو الذي ترفضه رفضا قاطعا جبهة البوليساريو، ولا تؤمن إلا بإستفتاء تقرير المصير وتصفية الإستعمار وفق لوائح الأمم المتحدة والشرعية الدولية.

لقد سمعت مرارا وتكرارا من مغاربة يقيمون في الداخل والخارج، من أن أطروحة جبهة تحرير الساقية ووادي الذهب لا توجد على أرض الواقع لدى الصحراويين، بل هي مجرد وهم في خيال هؤلاء، كما أن الأطروحة التي يسمونها “الانفصال” لا أساس لها في كل الصحراء الغربية، والأمر لا يتعدى بعض العناصر التي تنعت بشتى الصفات التي لا يمكن أن أرددها طبعا.

فعندما زرت في 24 أفريل المنصرم مدينة آسا، لم يتسنّ لي على الإطلاق أن أقف على ما وددت معرفته، وإن كان أثناء المداخلات التي تناولت شأن مخيمات اللاجئين في تندوف الجزائرية، لفت إنتباهي وجود أنصار جبهة البوليساريو داخل القاعة، والذين غادروها وهم يرددون شعارات ثورية على مرأى قوات الدرك والأمن الذين غصّ بهم المكان، منها مثلا: “الكفاح الكفاح… السلاح السلاح”، “تحيا الحرية”، “نعم للإستقلال”، “لا للإحتلال المغربي”… الخ، وكان أغلب الأنصار إن لم أقل جلهم لا يتجاوز سنهم الخامسة عشر.

قلت في قرارة نفسي وأنا ألقي مداخلتي حينها، ألا يوجد إلا هؤلاء الأطفال الذين يتحدّون كل شيء في سبيل قضيتهم، وإن كان المنظمون حينها، راحوا يجرمون إستغلال الصبيان والبراءة في قضايا سياسية كبيرة، ولكن لاحقا تبين لي الإستغلال الحقيقي والفظيع الذي يمارسه الجانب المغربي. بل يوجد منهم من زعم أن “نزعة الإنفصال” كما يسمونها لا توجد إلا في أذهان المراهقين، وهو الذي صممت أن أقف عليه بنفسي ومن دون وصاية أو توجيه من أي كان، والحقيقة سنقرأ تفاصيلها في ثنايا هذا التحقيق.

لقد عرف الأمر في ملتقى آسا منعطفا آخرا، عندما طلب شبان ومثقفون التدخل وأحسست أن بعض المنظمين يريدون إقصاءهم ومنعهم من الإدلاء بآرائهم، وهو الذي دفعني إلى أن طلبت وفورا من رئيس الجمعية التي نظمت الندوة، السماح لهم بالتداول على المنصة والتعبير عن آرائهم،  وهو الذي وافق عليه من دون أدنى تردد، بل إقتنع عندما قلت له، أن الأمر يتعلق بالصحراويين أنفسهم دون غيرهم، ولا يجوز مطلقا الحجر عليهم أو منعهم من التعبير عن أفكارهم ومواقفهم، أو فرض الحلول عليهم.

أذكر في هذا السياق أن شابا في مقتبل العمر صعد للمنصة، وقدم شهادة عن الجرائم التي ارتكبت في حق الصحراويين من طرف الإحتلال الإسباني وبعدها المغربي، كما طرح عدة أسئلة أحرج بها المنظمين عن المجازر الجماعية، وجاءت لاحقا الردود باهتة لا معنى لها، سوى أنها تغنّت بتلك الشعارات البراقة المعروفة في الأجندة المغربية.

هذا الشاب الصحراوي الذي يؤمن بتقرير مصيره إيمانه بربه ودينه، تقدم منّي وكأنه يريد جسّ نبضي، وسألني عن موقفي من قصف الصحراويين وإبادتهم من طرف القوات المغربية المحتلة، وكان ردي بجملة وواحدة: “هي جريمة ضد الإنسانية لا يمكن السكوت عنها”، كما أكدت له أن وجودي لا يعني مطلقا مناصرتي للأطروحة المغربية أو شراء ذمتي من المخزن، أو أنه يمكن أن أقف ضد قضيتهم، ففرق شاسع عندي بين أصل القضية ونقدي لواقع بعض أنصارها.

منذ عودتي من آسا التي شهدت ترويجا إعلاميا رهيبا، بل تمّ التركيز على شخصي بصفتي الإعلامية وجرى إبراز جزائريتي بطريقة مشبوهة، وهو الذي أزعجني كثيرا، بالرغم من أنني أفتخر بها إلى حد الهيام، ولكن تحملت أعباء النقد اللاذع الموجه لشخصي على مضض، ولحسابات أفهم أبعادها جيدا. بل الأدهى أن مقص الرقيب طال تصريحاتي الصحفية للقنوات التلفزيونية والإذاعات والصحف المغربية، ونسب لي ما لم أفكر فيه على الإطلاق ولا جال بخاطري.

فضلت الصمت، علّني أتمكن من الوصول إلى أبعد من ذلك، وجاءت فرصة ملتقى الداخلة، وقد تواصلت مع السيد علي فضيل مدير عام “الشروق اليومي” قبل سفري بأيام، واتفقنا على إنجاز تحقيق حول هذه المدينة، التي لا يمكن الوصول إليها من طرف صحف جزائرية مهما كانت الظروف.

وصلني تهديد بالقتل إن تجرّأت على الذهاب إلى الداخلة، والغريب أن صاحبه زعم من أنه من جبهة البوليساريو، وقد بعث لي عبر موقعي الشخصي “صوت المنفى”، وإستعمل صاحبه خاصية البروكسي التي بينت أنه يراسلني من الولايات المتحدة الأمريكية، وإن كنت قد بلغت المسؤولين الذين يقفون وراء دعوتي، وقد أظهروا قناعة راسخة من أنه تهديد مفبرك فقط، ولا أساس له على الاطلاق، لأن مدينة الداخلة من أبرز المدن الآمنة والمستقرة، بل توجهت الشكوك إلى منافسين آخرين في النشاط المدني والجمعوي، أو ما يوصف الآن بالدبلوماسية الموازية !!.

من باريس إلى الداخلة

إنطلقت من مطار أورلي بالعاصمة الفرنسية باريس يوم الأحد 25 جويلية، في إتجاه الدار البيضاء، على متن الرحلة AT775، وقد ودعت أسرتي وداع من لا تحتمل عودته، خاصة أنني سأحطّ رحالي في مدينة يقال عنها الكثير جدا. تأخرت بنا طائرة الخطوط الملكية المغربية ساعتين كاملتين، لأسباب متعددة ظل طاقمها من حين لآخر، يقدم لنا الإعتذار ويتلو علينا فهرسا من الأعذار، على ماهو خارج عن نطاقهم.

وصلت مطار محمد الخامس بالدار البيضاء على الساعة 19.30 بالتوقيت المحلي، ومنه قفلت مباشرة نحو الطائرة المتوجهة إلى مدينة الداخلة وذلك في الرحلة AT497، لم نتأخر عن الموعد المبرمج للإنطلاق، إلا بحوالي عشرين دقيقة، وصلت المدينة بعد أكثر من ساعتين من الطيران، ووضعت أقدامي لأول مرة في حياتي على أرض الصحراويين، وكان الموقف رهيبا بحق، لا يمكن وصفه أو اختصاره بين كلمات عابرة.

وجدت المشرفين على الملتقى في إنتظاري، وقد تلقّى أمن المطار تعليمات من السلطات تقضي بضرورة تقديم كل التسهيلات للضيوف وعلى رأسهم شخصي المتواضع، ولمست ذلك من خلال المعاملة الإستثنائية جدا، والترحيب الذي فاق حدود التخيّل.

برفقة مشاركة مغربية تترأس جمعية للدفاع عن الطفولة، وعلى متن سيارة تابعة للسلطات الولائية، إتجه بي المنظمون نحو فندق “باب البحر” الذي لا يبتعد كثيرا عن مطار الداخلة، وشدّ إنتباهي وأنا اشق وسط المدينة الكثير من الإنطباعات الأولية، كما شاهدت السكان يقضون وقتهم جماعات وجماعات في الساحة العمومية، ولما سألت سائق السيارة عن هذا الإنطباع، راح مباشرة يشيد بالأمن والإستقرار الذي تعرفه المنطقة، وإسترسل في تعداد فضائل الملك والحكومة التي تبذل – حسبه – كل ما في وسعها من أجل راحتهم !!.

بحسّي الصحفي وبحكم تجربتي العسكرية أدركت ما سنقف عنه لاحقا، من أن المدينة تخضع لإجراءات إستخباراتية معقدة ودقيقة جدا، وأن أنفاس السكان تحصى عليهم وفق مقاربة أمنية صارمة، لحسابات سيحين وقت التحدث عنها في هذه الشهادة.

لقد كنت في الطريق نحو الفندق متلهّفا للغوص في داخل الداخلة الشمّاء، والوصول للوجه الآخر الخفي الذي بلا شك يضرب عليه بشدة، حتى لا يتم كشفه مهما كان الأمر، كما أنني كنت على يقين أن الأمور نسجت وفق ما يخدم الأطروحة المغربية، والوصول إلى عمق الصحراويين الرافضين للوجود المغربي الذين يؤمنون يقينا من أنه إحتلال يجب تصفيته، أمر صعب المنال، ولن أمكّن منه على الإطلاق إلا إذا وضعت خطة ذكية محكمة وواضحة الأهداف والأبعاد.

لقد قررت وقبل أن أضع أقدامي على تراب الداخلة، أن أكون نزيها ومستقلا، لا أبحث إلا عن الحقيقة مهما كلفني الثمن، بل في قرارة نفسي صممت على أن لا أناصر أي أطروحة كانت، حتى أتفادى التحيّز مما سيفقد عملي مصداقيته. بل يجب أن أبحث عن الصحراويين أصحاب الشأن في هذه المعادلة، وألمس تطلعاتهم وأحلامهم وأنقلها للعالم بمهنية عالية، ومن دون تلفيق أو تزوير أو إنحياز أو تعتيم أو حتى مداهنة أو تقية.

قضيت ليلتي في فندق “باب البحر” وأنا أفكر في الكيفية التي أصل فيها إلى حيث لا أكون موجها من طرف أحد، فضلا من كل ذلك أن أكسب قلوب الناس وثقتهم، حتى أتمكن من معرفة ما يدور في أرض الواقع، وأستقصي حيثيات القضية التي لا تزال ترابط مكانها منذ السبعينيات، ومن دون حلحلة ولا إرادة فعلية لأجل رفع المعاناة والغبن عن الصحراويين سواء كانوا في الداخل أو في مخيمات اللجوء.

أحيانا يراودني الشك من أن الصحراويين لن يتحدثوا إليّ، أو قد أتعرض لمكروه من طرفهم، وخاصة أنني جئت للمشاركة في ملتقى ينظمه الجانب المغربي في المنطقة، وفي الوقت نفسه مدعوم من طرف السلطات المحلية والمركزية، ولا يعقل أبدا أن يكون فضاء حرا للبحث عن الحقيقة والذود عن حماها، أو قد يتخيل أحد من أن المحاضرين سيوجهون أدنى نقد حول واقع حقوق الإنسان مثلا.

فقد صورني الإعلام المخزني من أنني أدافع عن ما يوصف بحق المغرب في الصحراء الغربية، بالرغم من أنني لم ولن أفعل ذلك. لقد أحسست بصداع في رأسي، وتضاربت علي الأمور وتداخلت التخمينات وتطايرت الإحتمالات، ولكن قررت أن أخوض المغامرة مهما كانت نتائجها، وسأجعل من محاضرتي البداية الحقيقية للمهمة الصحفية التي جئت من أجلها.

صباح يوم الإثنين 26 جويلية الماضي، وافقت على الخروج للشارع، ولكن كنت برفقة بعض المشرفين على الملتقى، وهم من كانوا يختارون الوجهة والأماكن التي نتحرك نحوها، بحجة توفير الأمن لشخصي، وقد لاحظت عناصر المخابرات في زيّ صحراوي، وآخرون يلبسون البذلات الرياضية يقتفون أثرنا من بعيد، وقد أخبرني أحدهم بأنهم من عناصر الشرطة يسهرون على سلامتي، بعد التهديدات التي وجهت لي.

تجوالي لعدة ساعات ما بين بعض الشوارع، وتأملاتي لوجوه المارّة وبعض المتسولين الذين يظهرون من حين لآخر، وكان بعضهم يتحدث اللهجة الحسانية وآخرون باللغة العربية، أوحت لي من أنه يوجد وجه آخر عكس ما نراه من خلال ما يظهر لكل عابر، سواء من ناحية الإستقرار الذي يطبع المدينة، أو حتى تلك البنايات والمحلات الجميلة التي أريد منها إبراز الحياة الرغدة والهنيئة.

شيء آخر لفت إنتباهي هو العدد الهائل من الأعلام المغربية المتواجدة في الشوارع وواجهات الإدارات والثكنات، والمحلات التجارية وحتى العمارات والبيوت العادية، ولما سألت أحد المرافقين أخبرني من أن الأمر يتعلق بمناسبة عيد العرش فقط، ولكن ونحن نجلس في مقهى وسط المدينة مرّ علينا طفل في السابعة من عمره تقريبا وهو يغطي كتفيه بالعلم المغربي، فقررت أن ألحق به في شارع آخر، ونحن متوارين عن المكان الذي كنت به، سألت الطفل عن دوافع ركضه بالعلم، أخبرني بعدما عرف من أنني صحفي جزائري، قائلا ببراءة الصغار: “لقد دفعوا لي مبلغا من الدراهم حتى أمرّ أمامكم بالعلم”.

تركت الطفل عماد وعدت إلى موقعي، حيث كنت برفقة بعض المشاركين والمنظمين للملتقى، نرتشف الشاي الصحراوي بنكهة النعناع،  ولقد لفتت إنتباهي عيون رواد المقهى، الذين يبادلوننا نظرات تتماوج ما بين التساؤل وأخرى فيها ألق النقمة والكراهية، وخاصة أن أحد المنظمين وهو من سكان الداخلة، معروف بنشاطه الموالي للمخزن، منذ إنفصاله عن جبهة البوليساريو حسب ما قيل لنا. لقد أحسست بالفعل أن تلك النظرات تقول الكثير، وخاصة أنها تنبعث من أشخاص عليهم الملامح الصحراوية الواضحة، حتى وإن كانوا لا يلبسون الزيّ الذي تعرف به المنطقة.

ولهذا قررت أن أعرف ما يدور بخلدهم لاحقا، وبأي وسيلة كانت، فعلى ما يبدو أنه لا يمكن أن يتحدثوا لي بحضور هؤلاء معي، فضلا عن رجال الأمن الذين توزعوا في الشارع وحتى المقهى، يتلقفون كل كبيرة وصغيرة ولو كانت سعالا.

كان بجواري أربعة شبان يتبادلون أطراف الحديث، وكنت استرق السمع من حين لآخر إليهم، وقد كان حديثهم علينا وعلى الملتقى، ولكن من مجمل الحوار الدائر، أيقنت أنهم متعجبون من تواجد جزائريين في ضيافة المخزن، ويقصدونني – طبعا – وكان برفقتي الشاعر الجزائري المقيم بالمغرب سعيد هادف، وقد لاحظت من أن حديثهم كان بحذر شديد، مما أوحى لي أن أهلها يعرفون جيدا، من أنهم تحت مراقبة أعوان المخابرات وعملائهم، المتواجدون بعين المكان.

بعدها غادرت الشارع على متن سيارة أحضرت خصيصا لنا، وهذا من أجل التجول بنا في المنطقة، وتعريفنا بما سموها الإنجازات الملكية في المدينة، وطبعا الرحلة قصد بها الترويج من خلالنا لما يراد له في دوائر المخزن المغلقة والمفتوحة. فبعد جولة في الطرق الرئيسية وكان محدثنا كلما مررنا على مشروع مفتوح أو ورشات ظاهرة للعيان، يسترسل في مدح الأوامر الملكية “المقدسة” التي تسهر دوما على راحة الصحراويين ومستقبلهم، بل يشير للملايير التي تصرف في هذه المشاريع التنموية، متجاهلا ومتناسيا ما تجنيه الدولة المغربية من الأراضي الصحراوية الغنية بكل الثروات.

بل ذهب إلى أبعد من ذلك، وراح يعدد لنا المزايا التي يتمتع بها الطلبة الصحراويون الذين يدرسون في الجامعات بالرباط أو الدار البيضاء وغيرها من المدن المغربية الكبيرة، ومما قاله أن الطالب يتمكن من منحة خاصة، وأيضا من تذاكر سفر مجانية وكذلك منحة تغطي كل مصاريفه الدراسية والحياتية، وتدفع عنه كل الأعباء في السكن والإيواء والأكل والملبس والأدوات المدرسية والكتب والمراجع.

في قرية أطفال يعشقون الجزائر ومتيّمون بالفريق الوطني

إتّجه بنا السائق نحو شاطئ يبتعد بحوالي 15 كلم عن الداخلة، وبالرغم من مرورنا على شواطئ جميلة ومتعددة، ولكنها كان بجوارها خيمات تظهر أنها للصحراويين من البدو الرحّل أو لمن يفضلون الريف للإستجمام والتصيّف كما قالوا لنا. وقد طلبت منهم التوقف في أحد الأماكن، وقد لفت إنتباهي أطفال ونساء في زيّهم الصحراوي المعتاد وكانت عليهم علامات الفقر المدقع، إلا أن السائق وهو موظف في الولاية وقد جاء بأمر من المسؤول الأول على المدينة، أخبرنا أنه سيأخذنا إلى مكان أفضل بكثير وآمن أيضا.

أدركت في قرارة نفسي أنه لا يراد لنا التحدث مع عامة الناس، ولذلك فضلت الصمت حتى لا أثير الشبهات وأضع نفسي تحت طائلة المراقبة المشددة. وصلنا إلى شاطئ جميل، وكان به خيمة كبيرة كتب عليها “قرية الأطفال: مهرجان صيف الداخلة”، إقتربنا منه ووجدنا بها شبانا لا يزالون في تحضير الخيمة، وتحدثوا لنا من أنهم يعدونها من أجل مهرجان مرتقب للأطفال، وكان قبالتها على بعد أمتار وعلى الشاطئ نفسه مجموعة يتجاوز عددهم الثلاثين طفلا، ومعهم مؤطرين وعناصر الحماية المدنية والإنقاذ.

إتجهت نحوهم، وقدمت لهم نفسي من أنني كاتب صحفي جزائري وأودّ التحدث إليهم، فرحبوا جميعا، وحتى الأطفال أنفسهم، والذين بينهم من راح يردد على مسمعي المقطع الأول من النشيد الوطني الجزائري، مما أكد لي مدى حب هؤلاء الأطفال لبلدي. حتى المؤطرين أنفسهم سعدوا كثيرا وتفاجئوا أيضا، وأحدهم عبّر لي عن تعجبه وفرحته، بالنسبة للتعجب فهي أول مرة حسب قوله أن وصل صحفي جزائري إلى مثل هذا المكان، ولما سألته عن السبب، أجاب قائلا: “الجزائر تساند البوليساريو وتدعمهم فلا يعقل أن يسمح لهم بدخول المنطقة والتشويش” !!.

وكان بجانبه شخص آخر يعرفني جيدا وتابعني مرارا وتكرارا عبر قنوات فضائية مختلفة، لا أعرف شيئا عن علاقته بالمكان، فقد هبّ يعبر عن سعادته بالتحدث مع صحفي جزائري، وقال: “أعرف أنك ستكون نزيها ولا تنقل إلا الحقيقة”. أحسست في قرارة نفسي،  أنه يريد تبليغ شيء، فأكدت له أنني لن أبخل عليه في توصيل إنشغاله وبالصورة التي يريدها، فرد قائلا وبجملة حرص فيها على نفسه وبين ثناياها ما يوحي بالكثير: “نحن نحب الجزائر ولن نكرهها مهما كان الأمر”. قلت له: “هل هذا هو إنشغالك فقط؟”، أجاب: “يا أخي أنور قلت لك ما يكفي وأكيد لا تريد لي الضرر”.

عندما كان يتحدث إلي يظهر من ألق عينيه الحزن العميق الذي ينخر في لبّه، وحتى في عينيه العسليتين يتراءى الأسى والخوف من شيء يعرفه جيدا، ففهمت ما أراده، وهو أنه من أنصار جبهة البوليساريو ولن يرضى إلا بتقرير المصير.

لقد سعد الجميع برؤيتنا وزادت سعادة بعضهم لما عرفوا بجزائريتي، حتى الأطفال “ذكورا وإناثا”، الذين كانوا مقسمين في أفواج، رقصوا فرحا بوجودنا، ورددوا لي مرات عديدة وهم يرقصون: “ون تو ثري فيفا لالجيري”. وقد لاحظنا أن المؤطرين قسّموا الأطفال إلى أفواج، وكل فوج أطلقت عليه تسمية، فبينهم فوج سموه الوطن، وآخر الملك، وثالث الشاطئ… الخ، وكلها تسميات لها أبعادها السياسية، التي هي أكثر من أحلام هؤلاء الأطفال الباحثين عن المرح واللعب والسباحة في ذلك الشاطئ الصحراوي الرائع. وقد حدثوني أنهم يتلقون تدريبات ورياضات مختلفة، كما أنهم يحفّظونهم الأناشيد الوطنية المغربية، وفي كل بداية النشاط، يقدمون تحية عسكرية للعلم المغربي الذي يرفرف فوق رؤوسهم، كما يرددون نشيده الوطني الرسمي، ومن لا يحفظه سيحرم من البقاء في المخيم.

سألت طفلا عن أمنيته في المستقبل، وقد كان جوابه مفاجئا لي، حيث قال: “أريد أن أصبح شرطيا”، ولما أردت معرفة السبب، زاد بحديث لم يخطر بذهني على الإطلاق: “حتى أرد حقرة الشرطة المغربية على عائلتي”، وقد نهره أحد المؤطرين، لكنني طلبت منه أن يترك الطفل يعبر عن شعوره، ولا يمكن أبدا أن يعامله بتلك الطريقة الفجّة والغليظة، إلا أن الطفل تخوّف وغادرني.

بنت في الثامنة من عمرها بدورها تحمست للتحدث معي، سألتها عن حلمها، فقالت: “أكون طبيبة حتى أداوي الصحراويات الفقيرات”، فقلت لها: “يوجد مستشفيات هنا”، فضحكت بسخرية عليها مسحة من البراءة: “المستشفيات للغرباء وليست لنا”، قلت لها: “من الغرباء؟”، أجابت بلا تلعثم: “المروك”.

أما طفل آخر فقد عبر لي بدوره عن حلمه أن يزور الجزائر، فسألته: “من تحب في الجزائر؟”، فراح يردد على مسمعي أسماء عناصر الفريق الوطني، وقد بدأ بذكر زياني ثم عنتر يحيى ثم رابح سعدان، وروراوة الذي وجد صعوبة في نطقه. وحول ما يتمنّاه لنفسه في المستقبل، قال: “أن أصبح مثل زياني ألعب في الفريق الوطني”. قاطعته: “الفريق الوطني المغربي”. رد بسرعة ومن دون أدنى تخمين: “لا… لا… الفريق الصحراوي”.

لقد كان اللقاء مع الأطفال الصحراويين متميزا ومعبرا، حميميا إلى آخر منتهى، وأسعدني كثيرا جدّا، فقد تعرفت من خلالهم على ملامح وجه آخر يتجلى على مسحة البراءة التي لا ناقة لها ولا جمل في الألاعيب السياسية ولا مخططات الاستخبارات والأجهزة.

غادرنا الشاطئ وودعنا الأطفال الذين كانوا في قمة السعادة وهم يأخذون صورا تذكارية معنا، وخاصة بعضهم الذين كانوا يرددون “ون تو ثري فيفا لالجيري”، ويبرزون مدى حبهم للجزائر وفريقها الوطني وبعض اللاعبين الذين ذكروهم بالإسم، ويحلمون أن يكونوا لاعبين في المستقبل مثلهم، يرفعون راية صحراوية في المحافل الدولية كما أشرنا.

إتجهت بنا السيارة نحو مناطق أخرى من مدينة الداخلة الغراء، وقد رأيت محطات مختلفة من الروعة التي تسحر المنطقة، وكان المؤطرون يشرحون لنا من حين لآخر، بعض ما يرونه ضروريا، من مثل بعض المشاريع المفتوحة والورشات القائمة التي تظهر لنا عبر الطرقات، وبعض جوانب المدينة الهادئة في ظاهرها والثائرة في عمقها.

كما عبرنا الجسر الطويل الذي يربط المدينة بميناء الجزيرة، وقد لاحظنا السفن المتعددة وهي ترسو محملة بالسلع التي لا تحصى ولا تعد، كما شاهدنا مئات الصيادين وهم يقومون بإنزال أطنان من الأسماك، وتشير الأرقام التي بحوزتنا من أنه يوجد حوالي 3 آلاف قارب صيد في ما يناهز 667 كم من مياه المحيط الأطلسي بوادي الذهب. كما يوجد حوالي 15000 بحار  يعملون في كل إنطلاق موسم صيد الأخطبوط، وهو موزعون كالتالي: (ما يناهز 300 قارب في نقطة إموطلان  و 880 في نتيرفت و 700 في نقطة لبويردا فيما لا تزال نقطة لا سركا تحتفظ ب 1200 قارب)، ويعرف قطاع الصيد ظواهر متعددة كالتهريب والسرقة والنهب وظواهر مختلفة.

وتشير مصادرنا الخاصة أن صيد السمك في المنطقة، يقتصر على المغاربة فقط، أما الصحراويون فيمنع عنهم ممارسة ذلك ولو كان فرديا على الشاطئ، ويتردد كثيرا بين عامة السكان من أن قائد الدرك الملكي الجنرال بنسليمان، هو الرجل الأول الذي يسيطر على الثروة السمكية الضخمة التي تتميز بها الداخلة. حتى أن بعض ممن تحدثت إليهم، أكدوا من أن أي شخص يحمل صنارته ويتجه صوب المحيط، سيتعرض لمتابعات قضائية وقد يسجن ويصادر منه صيده ويتعرض لغرامة مالية، ولو كان الأمر يتعلق بسمكات معدودة فقط. ونفى المغاربة الذين اطّروا الملتقى كل ذلك، أما بعض “الصحراويين” المحسوبين على المغرب، فإعتبروا أنه من حق “الدولة” تنظيم الصيد، وخاصة أن التهريب يعدّ من أبرز ما تعانية هذه الثروات في وادي الذهب، وقد أشار أحدهم على سبيل المثال، إلى أنه قد تمّ مؤخرا مصادرة ما يتجاوز 1446 كلغ من الأخطبوط المهرّب.

في حين أن بعض الصحراويين ممن تحدثت إليهم خارج الإطار الرسمي الذي أشرف عليه أصحاب الملتقى، أكدوا لي أن الصيد محرم عليهم فقط، ولا يجوز إلا للمغاربة ممارسته أو حتى إمتلاك قوارب قانونية.

عدت في المساء إلى غرفتي بفندق باب البحر، وقررت أن أخوض تجربة إستقصاء الوضع في الشارع وبعيدا عن المؤطرين ولا عناصر المخابرات التي أشرفت على تحركاتنا وتوجهاتنا، لأنني وصلت لقناعة لا يشوبها أدنى شك أن الوجه الخفي يحمل الكثير من الأسرار التي لا تنتهي…

ملتقى لأجل الحكم الذاتي أكّد على تقرير المصير

صباح يوم الثلاثاء 27 جويلية كان موعد الملتقى العالمي الذي كنت أحد المدعوين إليه، والذي الهدف منه الترويج لأطروحة الحكم الذاتي حتى وإن تمّ تغليف الأمر بقضية الأمن في المنطقة المتوسطية. ولقد اشترطت على المنظمين وأنا في فرنسا، أن لا يتم الإساءة للجزائر شعبا وحكومة، وأنه في حال أي تجاوز من قبل المشاركين في حق بلدي سأنسحب من الجلسات، وأكشف ذلك علنا من دون أي تحفظ، وهو الذي وافقوا عليه بالإجماع، لأنهم يحرصون على حضوري لإعطاء بعض الشرعية للملتقى.

إلتحقت بالقاعة الشرفية للمجلس البلدي في حدود العاشرة والنصف، كان أول ما لفت إنتباهي هو تواجد مجموعة من الأطفال يتجاوز عددهم 15 طفلا، وكانوا في زيّ الكشافة الحامل لألوان العلم المغربي، جرى إحضارهم خصيصا لمتابعة فعاليات النشاط.

لقد قسّم المنظمون ملتقاهم إلى ندوتين، الأولى تتعلق بأطروحة الحكم الذاتي، والثانية تخص الأمن الإقليمي في المنطقة المتوسطية. وقد هبّ المشاركون في الندوة الأولى على تمجيد هذه الأطروحة، والحديث من أنها “الحل السحري” لكل مشاكل الصحراويين، ولا أحد من المحاضرين وضح آليات هذه الأطروحة، التي جعلت المتدخلين من الحضور، إلى التساؤل: “أين هو الحكم الذاتي الذي تتحدثون عنه؟”، وأضاف آخر: “لا يزال مجرد مضغ للهواء فقط”. وثالث أكد على أنه لن ينجح أي مشروع يناهضه الصحراويون أصحاب الشأن، ويدافع عنه المرتزقة والباحثون عن الريع على حد تعبيره.

كما ذكرت، فقد كان الحاضرون منقسمين إلى خمسة أقسام، مجموعة من أطفال الكشافة، والمجموعة الثانية من أعضاء الجمعيات التي ساهمت في الملتقى، المجموعة الثالثة وهي من أنصار جبهة البوليساريو، والمجموعة الرابعة من رجال الأمن والمخابرات، والمجموعة الخامسة هي من المغاربة المقيمين في الداخلة ويناصرون الأطروحة المغربية، وهم من أعضاء الجمعيات وليسوا حتى من عامة الناس، ولقد تساءلت عن الحضور المحتشم الذي يوحي بأن السكان لا يهتمون أصلا بالأطروحات المغربية.

ردّد المحاضرون في الندوة الأولى تلك الأسطوانة المعهودة، ووفق مصطلحات مخزنية متعارف عليها، وقد ظهر الإمتعاض على وجوه أنصار جبهة البوليساريو، خاصة من ذلك الكلام المناسباتي والمعسول الذي يتفوهون به. ومن جهة أخرى فقد رضخ الكل لمطلبي الذي ذكرته سابقا، فلم تذكر الجزائر إلا بخير على مدار المشاركات كلها، حتى من وجّه النقد الطفيف العابر فقد رفض التعميم، أو ذكر الأسماء أو تحميل الجزائر المسؤولية كما جرت العادة.

حتى نكون موضوعيين فإن الأمر تمّ بأمر من المشرفين على الملتقى، ومن جانب آخر أن أغلبهم أقدموا على ذلك من باب إحترامهم لشخصي ولتواجدي بينهم، وهو الأمر نفسه الذي حدث في ملتقى آسا في أفريل الماضي، حيث إضطر بعض المتدخلين إلى تغيير كلماتهم لما بلغهم شرطي الأساسي في المشاركة.

إفتتحت الندوة الثانية بمداخلتي التي جاءت تحت عنوان “ملاحظات لمستقبل وأمن المنطقة المغاربية”، أكدت فيها على ضرورة الإهتمام بالشعوب وتمكينها من حقها في الديمقراطية وتقرير المصير، حيث قلت: “أنه لا يمكن أبدا أن يتحقق الأمن في ظل حكومات فاسدة ومتسلطة وأنظمة ديكتاتورية وشمولية، ولا يمكن تحقيق الأمن أيضا في ظل حكام ليست لهم الشرعية الشعبية، أو ممن تحولوا لبيادق لدى قوى الهيمنة والإمبريالية، ولا يمكن أيضا تحقيق الأمن في واقع شعبي متخلف سواء على المستوى الفكري أو الحضاري أو الإجتماعي”.

ثم عرجت على الوضع الإجتماعي الذي تعيشه المنطقة المغاربية بصفة عامة، كما أشدت بدور الجزائر في أمن المنطقة من خلال حربها على الإرهاب. وقلت في هذا السياق: “أقول بكل موضوعية ومهنية، أن الجزائر أدّت ما عليها لأجل مكافحة الإرهاب، ولصالح المنطقة المتوسطية، سواء على المستوى الأمني عن طريق يقظة الأجهزة الأمنية في محاربة الجماعات المتشددة، وبتجفيف منابع التموين والتجنيد والدعم والإسناد. أو على المستوى السياسي، وذلك بقوانين المصالحة التي بدأت بقانون الرحمة في عهد الرئيس السابق اليمين زروال، أو بقوانين الوئام المدني وميثاق السلم والمصالحة الوطنية في عهد الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة، والتي لا تزال قوانينه سارية المفعول إلى حد هذه اللحظة، وشكلت قاصما لظهر الجماعات السلفية المتشددة…”.

أما عن قضية الصحراء الغربية، فقد قلت في شأنها بالحرف الواحد حتى لا يزايد علينا: ” فيما يخص قضية الصحراء الغربية، والتي بلا شك ستؤدي إلى حرب مستقبلا إن لم يتم الإسراع لوضع حلّ نهائي في إطار الشرعية الدولية التي يتفق عليها الجميع، وعلى رأس ذلك أبناء الصحراء أنفسهم، الذين عليهم أن يتحركوا، بصفتهم أصحاب الشأن في كل ما يتعلق بمستقبلهم ومصيرهم، ولا يجوز مطلقا لأي كان أن يعلن الوصاية عليهم أو الحجر على تطلعاتهم أو يتاجر بغدهم”.

وأيضا: ” كما أغتنم الفرصة لأؤكد على أن ما يهدد أمن المغرب الكبير ووحدته، هو الإبقاء على قضية الصحراء الغربية على ماهي عليه، من دون حلّ شامل وعادل ونهائي ينطلق من الصحراويين أنفسهم ولا يخدم سواهم أولا وقبل كل شيء، وليس وفق ما يملى علينا من الخارج أو يفرض عليهم من الداخل، والتجارب علمتنا أن الحلول المفروضة غالبا ما تكون عواقبها أشد وأخطر مما كانت عليه الأمور من قبل”.

في إطار فعاليات الملتقى وجه أحد الحاضرين إتهامات صريحة لجبهة البوليساريو، من أنها تهرب السلاح للشمال الجزائري، وأنها متورطة مع ما يسمى “تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي”، وهذا الذي بعث الإستياء في نفسي ولدى كل الحاضرين الصحراويين، دفع أحدهم للصراخ بصوت عالي: “كذب… كذب”، مما أجبرني على التدخل والرد على هذه المزاعم التافهة، وطالبت هؤلاء الذين أطلقوا الإتهامات بتقديم أدلة عليها، وأكدت للحاضرين أن ما قيل هو مجرد أكاذيب وبهتان ومزايدات لا يقبلها عقل ولا منطق، بل هو إتهام للجزائر والشعب الذي دفع الثمن غاليا، وفي ظل حصار دولي وعربي خلال التسعينيات.

كما أضفت: “تقولون أن الوطن غفور رحيم، وتطالبون جبهة البوليساريو بالإستسلام إليكم، وعندما يأتون أكيد سيستقبلون بالورود على أعلى مستوى، فترى هل ستسعدون وأنتم تستقبلون إرهابيين وقتلة الجزائريين الأحرار إن كان ما تقولونه الآن صحيحا؟”، وبلهجة الأسف قلت لهم: ” من نواياه صادقة لا يروج للأكاذيب التي هي إساءة لكل الصحراويين الذين عرفوا بشهامتهم وكرمهم، وتاريخهم يؤكد على أنهم شعب لا يخضع للإملاءات ولا للإغراءات”.

وقد صفق الحاضرون جميعا بحرارة إلى هذه التوضيحات، وأثلجت صدورهم كثيرا، وخاصة أن مثل هذه الإتهامات خطيرة للغاية، والحضور لهم أقاربهم في مخيمات اللاجئين بتندوف، والعقلية القبلية التي تطبع الحياة الصحراوية تجعل مثل هذه الإتهامات والإفتراءات الباطلة لا تعود إلا بالوبال على أصحابها.

بعد المحاضرات فتح المجال للمناقشات، والتي كان أحد المنظمين للملتقى ورئيس جمعية محلية، غير راغب في تدخلات الحاضرين، لأن أغلب الذين أصرّوا على الكلام من أنصار جبهة البوليساريو. وقد تحدثوا عن المعاناة التي يعانونها في ظل صمت دولي رهيب، كما كشف بعضهم الخروقات الجسيمة التي ترتكب في حق القانون الدولي وحقوق الإنسان بالأراضي الصحراوية.

واذكر هنا أن أحدهم سلّمني رسالة فيها مداخلته التي ندد فيها بكثير من الخروقات الجسيمة ودافع عن تقرير مصير الشعب الصحراوي، ولكنه لم يتمكن من الوصول إلى المنصة، فقد لجأ المنظمون إلى حيلة ماكرة للتخلص من الموقف، حيث رفعوا الجلسة لمدة نصف الساعة من أجل الراحة وتناول الشاي والمشروبات، ولكن لما غادرنا القاعة، قاموا بغلقها، وأخبرونا شفهيا من أن الملتقى قد إنتهى، ولا يمكن الرجوع لتضييع الوقت في مداخلات فارغة على حد وصفهم.

غادرني ذلك الشاب والذي طلب مني نشر صرخته وقصة معاناته مع الأمن المغربي، وللأسف لم أطلع على محتواها، ورمقته يقف معه أحد عناصر المخابرات المندسين في الملتقى ويبدو أن الحديث بينهما ساخنا، بل أن ذلك المخبر قد رأيته يرفع سبابته بطريقة تشبه التحذير أو التهديد أو الوعيد. إنشغلت بالتصوير مع الحاضرين، الذين إلتفوا من حولي يعبرون فيها عن إعجابهم لمداخلتي التي أنصفت الصحراويين، وبعد دقائق عاد ذلك الشاب وفي عينيه ألق الحزن والخجل، وطلب مني أن أعيد له رسالته، فلما سألته عن السبب، أخبرني من أنه سيسلمها لرئيس الجمعية التي نظمت الملتقى وليست لي أنا. إستجبت لطلبه من دون أي تردد لأنني فهمت السبب الحقيقي وراء هذه العودة المفاجئة، ثم بقيت أتابعه بنظراتي من بعيد، حيث شاهدته يعود نحو ذلك المخبر ويسلمه الرسالة، أتمنى أن يكون الأمر قد إنتهى عند هذا الحد، وخاصة أنه يوجد من سألني عن الأمر ورددت ما قيل لي.

أوجاع من قلب الداخلة وأطرافها

زارني ليلا بالفندق أحد المراسلين الصحفيين في المنطقة من أجل إجراء حديث معي، وقد إتفقت معه على أن نخرج سويا لزيارة بعض الأحياء من مدينة الداخلة، بل وعدني أن يعرفني بالجانب الخفي والفقير الذي لن نصل إليه من دون دليل، ولكن من خلال حديثي معه أدركت أنه سيوجهني أيضا، فالرجل كان يشيد بالأطروحة المغربية، ويدافع عن الحكم الذاتي دفاعا مستميتا، بل راح يزعم أنه لا يوجد على الإطلاق من يسميهم “الإنفصاليين” بالداخلة، وهذا الذي لم أصدقه في قرارة نفسي، فلا يعقل أن أبرز مدن الصحراء الغربية يكون حالها كما زعم محدثي، وحتى المرافقين لنا خلال رحلتنا هذه.

في صباح يوم الأربعاء 28 جويلية، قررت أن أخرج للشارع وحدي ومن دون أي مرافق، وألتقي الناس وأتحدث إليهم، وإن كنت أعلم علم اليقين أن المخابرات المغربية لن تترك الأمور تسير كما أريد. خرجت من الفندق وإتجهت نحو وسط المدينة، وفي طريقي إقترب منّي أحد المتسولين وكان في ظروف صعبة للغاية، أعطيته ما قدر الله له، ثم تحدثت معه، وحكى لي عن ظروفه المأسوية، وهو صحراوي أبا عن جد، وقد طرد من عمله حيث كان حارسا ليليا في مدرسة خاصة، والسبب أن أحد المخبرين بلغ مصالح الأمن من أن هذا الحارس “إنفصالي” على حد تعابيرهم.

طرد من العمل وصار بطالا ولم يجد ما يسد به رمق أبنائه الستة وزوجته التي تعاني من أمراض مختلفة، سوى أن إتجه للتسول. بل أكثر من ذلك أن الرجل أخبرني على تعرضه للمضايقات، حيث يتهم أحيانا بالتجسس لصالح “الانفصاليين”. تركت محدثي وقلبي يتفطر كمدا عليه، وخاصة أنه كان يحكي وعيناه تدمعان، وعلى مسحته ثورة من الغضب والنقمة التي لو أطلق لها العنان لنسفت القارة كلها.

أول ما يلفت إنتباه الزائر هي تلك الأعلام المغربية الكثيرة الموزعة في كل مكان، الإدارات، الفنادق، واجهات المحلات، شرفات البيوت بالعمارات، واجهات المنازل، الشوارع، الساحات… الخ. ففي كل زاوية تجد العلم المغربي، وإن كنت سألت من قبل أعضاء الملتقى عن الأمر، وأخبروني أن الحالة إستثنائية وتتعلق بعيد العرش فقط، إلا أن الذين تحدثت إليهم لاحقا، أكدوا أنهم يجبرون على ذلك طوال السنة، والأعلام التي نراها على شرفات بعض البيوت، هي عملية إستفزازية يقوم بها المستوطنون المغاربة على حد تعبير عمي علي، الذي وجدته في مقهى يرتشف الشاي بالنعناع مع قطعة من الخبز المحلّي والزبدة.

لقد كان عمي علي في السبعين من عمره وينحدر من أحد القبائل الصحراوية العريقة، لم يخف لي إيمانه بتقرير المصير ولا تردد في تسمية المغرب بالإحتلال، إلا أنه لما كان يتحدث لي بصوت منخفض، لاحظت إلتفاته يمينا وشمالا وكأنه يخشى شيئا، ولما سألته عن سبب ذلك، أعلمني من أن المخابرات المغربية في كل مكان، وأنهم يحاصرون أنفاس الناس، وقد يعرض أبناءه لمكروه لو تلاحقه شبهات ما. كان يصدد الحديث عن الظروف المأسوية التي يعيشونها، وعن الإقصاء ونهب الثروات وأشياء كثيرة أخرى، كنت أستمع إليه بنهم شديد، وفجأة غيّر حديثه نحو الأحوال الجوية وجمال الداخلة الطبيعي، أدركت أن في الأمر شيء.

نظرت خلفي فوجدت ثلاثة رجال على ملامحهم سمرة، يجلسون بالقرب منا، وكان عمي علي قد رمقهم بنظرة أوحت لي أنه يعتذر عن إكمال الحديث، لم يقتصر الأمر على تغيير الموضوع بل وقف وغادرني، متمنيا لي بصوت عالي إقامة طيبة في مدينة الداخلة الجميلة.

خرجت من المقهى لأنه لا يمكنني أن أقترب من آخرين، والمخبرون يتلصصون بطريقة مفضوحة للغاية، دخلت محلا لبيع الألبسة بمختلف أنواعها، وكان على واجهته علما مغربيا من الحجم الكبير. البائع هو شاب في العشرينات من عمره، ويبدو أنه عامل لدى صاحب المحل، فسألته عن الأسعار، وطبعا راح يشيد ببضاعته على مرأى زبون كان يودّ شراء حذاء رياضي. غير أنني سألته عن العلم الضخم الذي يزين واجهة دكانه، فأجابني من أنه لصاحب المحل، الذي يحتفل بـ “عيد العرش المجيد”.

فسألته عن أصله فأكد لي أنه ينحدر من مدينة فاس المغربية، وعن صاحب المحل فهو من مراكش. وعن ظاهرة الأعلام التي تنتشر في كل أرجاء المدينة، قالي لي: “هذه مدينة مغربية ومن حقنا أن نحتفل بعيد العرش العلوي المجيد”. هممت أن أسأله إلا أن ذلك الزبون الذي كان يتابع حديثنا، تدخل قائلا: “هذه ليست مدينة مغربية”، فردّ عليه البائع غاضبا: “هي مغربية أحب من أحب أو كره من كره”. الزبون وهو يهم بمغادرة المكان مسرعا خاطبنا: “الداخلة صحراوية وستبقى إلى الأبد”، إستدار البائع نحوي وهو يقول: “هذا إنفصالي الله يشفيه” !!.

غادرت المحل وإتجهت نحو شارع آخر، وقد لفت إنتباهي متجرا متواضعا جدا على واجهته الرئيسية يرفرق علم بالي من الحجم المتوسط، وكان المتجر متخصصا في بيع بعض الخردوات والعقاقير، مساحته صغيرة لا مكان فيها إلا للبائع وأنا. دخلته ووجدت فيه شيخا في الستينيات من عمره، يلبس الزي الصحراوي. عرف من خلال ملامحي ولهجتي أنني أجنبي، قدمت له نفسي من أنني كاتب صحفي جزائري، وأول سؤال طرحه علي: “أمر لم يحدث من قبل كيف سمح المخزن لصحفي جزائري أن يدخل المدينة ويتجول فيها؟”، أجبته: “جئت للمشاركة في ملتقى هنا بالداخلة”. رد: “يعني هذا الملتقى الذي ينظمه المغاربة في أرضنا”. ثم أردف: “أول مرة أسمع بجزائري يناصر المخزن”.

قلت له: “أنا لا أناصر أحدا جئت كصحفي والحقيقة التي أصل إليها سأبلغها للعالم كله”، إبتسم وهو يقول: “أعرف الجزائريين جيدا، والله أحب هذا البلد وأعشق ثورته، وأنا على يقين أن البلد الذي أنجب هواري بومدين رحمه الله لا يمكن أن ينجب خونة”.

كان الحديث مع التاجر شيقا وطويلا، وكشف لي الكثير من أسرار هذه المدينة التي تبدو هادئة في ظاهرها، والسبب هو الحصار الأمني الذي تحكم قبضته المخابرات على المواطنين، وكل من تلاحقه شبهات “الانفصال” سيلقى مصيرا سيئا، بل سيضطر تحت الضغوطات إلى مغادرة المكان نحو عمق الصحراء بحثا عن لقمة عيشه. وعندما أردت أن أعرف أمره وهو الذي يعبر بصراحة عن تأييده لجبهة البوليساريو، فقد أكد لي أن دكانه المتواضع يكشف الحقيقة، فضلا من أنه لا يتحدث كثيرا في الأمر حتى يتفادى ما يتعرض له من طرف الضرائب والأمن. وقال مختصرا أوجاعه: “فعلوا بنا العجب العجاب ولكن لن أغادر الداخلة ولن أغلق محلّي حتى أموت أو يشرق علينا فجر الإستقلال”.

بالنسبة للعلم المغربي فأكد لي أنه لم يعلقه ومستحيل أن يفعل ذلك، ولكن كل ليلة ينزع الراية يجد أخرى في الصباح على واجهة المحل، وعندما أردت أن أعرف من يقوم بذلك، قال لي أنهم مرتزقة المخزن على حد تعبيره، وأضاف: “تفاديت الأعلام الكبيرة والضخمة التي تعلق كل ليلة على واجهة محلّي، تركت هذا البالي الصغير المدنس ليعرفوا أننا لسنا مغاربة مهما فعلوا”.

أحسست أن التاجر لا يريد أن يحكي الكثير، بالرغم مما قاله إلا أنني أراه مترددا أو يلف الحذر سلوكات أخرى صادرة منه. سلمت عليه وهممت بالمغادرة، ولكنه شدّ على يدي قائلا: “ما قلته لك سيقوله لك الجميع هنا وإن كان البعض يفضل الصمت أو التقية لأن المخازنية لا يرحمون”.

لاحظت أن المحلات البارزة التي تحتل أماكن إستراتيجية يملكها المغاربة، أما الصحراويون ففي تلك الأحياء الفقيرة والهشة، أو البيوت المهترئة التي تتواجد في زوايا خفية من المدينة الغنية بالثروة السمكية ومداخيلها أسطورية لا يمكن تخيلها.

إتجهت نحو مقهى آخر، غير بعيد من مسجد عمر بن الخطاب (ر)، ولما دخلته لاحظت الأنظار تتجه نحوي، فملامحي توحي أنني غريب عن المدينة، قصدت أربعة شبان على طاولة في زاوية المقهى، وكانوا كبقية الزبائن يتبادلون النقاش على إبريق ضخم من الشاي بالنعناع. سلمت عليهم، وإستأذنت أن أجلس إليهم، فبادرني أحدهم بأنهم سيكونون في قمة السرور، وراح يحدثني عن معرفته لي ومتابعته لعدة برامج في قناة الجزيرة التي شاركت فيها.

راحوا يسألونني عن الجزائر التي يحبّونها كثيرا، وعرفت أنهم من أبناء الصحراء، أردت أن أعرف موقفهم من جبهة البوليساريو أو من أطروحة الحكم الذاتي التي يقدمها المغرب، أجابني أحدهم قائلا: “الصحراويون كلهم مع تقرير المصير ومن تجده يشيد بالمغرب إما أنه مستوطن مغربي أو انه مرتزق يبحث عما يملأ بطنه”.

أضاف آخر وهو يلتفت يمينا وشمالا: “لقد قال لك المختصر المفيد والأفضل أن نتحدث في أمر آخر فالعيون ترقبنا”. لكن ألححت على أن اسألهم حول الإنجازات التي يتحدث عنها المغرب في الصحراء الغربية، أجاب محدثي: “حتى فرنسا شقت الطرقات وشيدت العمارات في وهران والجزائر لأنها كانت تعتقد أن الجزائر فرنسية، ولكن فعلت ذلك من أموالكم وبسواعد شعبكم، هنا أيضا الثروات التي تملكها الصحراء الغربية لو وجهت للصحراويين لصاروا أغنى شعوب المنطقة”.

سألته: “أين تذهب الثروات؟” أجاب: “تنهب وتهرب للداخل المغربي يا أخي أنور”. وسألتهم أيضا عن خيمة منصوبة في الشارع غير البعيد من المقهى، فأخبروني أن البيوت مهترئة، والسكنات التي تبنى تعطى للصحراويين لكن بشرط بيع الذمة للمغاربة، والأراضي يملكها النافذون ويبنون البيوت ويشيدون المرافق السياحية التي تعود عليهم بالملايير. فقال آخر: “حتى النادل يأتون به من الشمال ولا يتركون فرصة للصحراويين حتى يشتغلوا”.

الشيء الذي لفت إنتباهي خلال رحلتي هذه، أنني لم أقرأ أبدا أي كتابات على الجدران، ولا وجدت منشورات معلّقة تناهض المغرب، كعادة الدول أو المدن التي تخضع للاحتلال الأجنبي و حتى تلك التي بها ثورات شعبية وحروب أهلية، ولما حاولت أن أستقصي الأمر، وصلت إلى ما مفاده، أن الصحراويين نضالهم يختلف عما هو معهود لدى الآخرين، “الكتابة على الجدران لا تحرر أرضا، كما أن السلطات تعاقب صاحب أي بيت يكون قد كتب عليه أي شيء يناهض الأطروحة المغربية، وخاصة إن كان مواطنا صحراويا” كما علق أحدهم.

ويوجد من ذكر لي أن المدينة تخضع لمراقبة شاملة تحصي على الناس أنفاسهم في البيوت، ولا يمكن أن يتجرأ أحدهم على الوصول للكتابة في الجدران. أما مواطن آخر فقد قال لي: “المدينة صحراوية، والجبهة تناضل على مستويات عديدة، ونحن لا نريد أن ندخل في مواجهات مع قوات الأمن المغربية، التي ستستغل الفرصة للإنقضاض علينا”.

ترددت على محلات ومقاهي وكلمت الناس في الشارع، ووصلت إلى قناعة أن معاناة الصحراويين قاسية جدا، وأن ما يتبجحون به في وسائل الإعلام الرسمية المغربية هي مجرد أحاديث للإستهلاك ودغدغة مشاعر المجتمع الدولي ليس إلا.

خيمات وصرخات في عمق الصحراء

عدت إلى الفندق وكلي أسى وألم مما سمعته من هؤلاء الناس، بل أصيب رأسي بالدوار وأنا اسمع ما يندى له الجبين برغم التحفظ والخوف والتردد، عن الفساد والظلم والتعذيب وإنتهاك الكرامة الآدمية في أبسط حقوقها المعاشية. لم أمكث كثيرا في الفندق حتى حضر المدعو بومبا وهو صحراوي يقيم ما بين الداخلة وإسبانيا، يشغل منصب رئيس جمعية الفضاء الشامل المناصرة للأطروحة المغربية، وقد جاء من أجل أن يتجوّل بي في المدينة حتى أتعرف عليها أكثر وأكثر، وكان برفقته الأستاذ فيرناندو خوسيه الذي يعمل محاضرا في جامعة إسبانية، وبرفقته أيضا شقيقه الطبيب.

انطلقنا نحو وجهة أخرى لم نزرها من قبل، وكنا في إتجاه مدينة العيون الصحراوية، وظل بومبا يحدثنا عن جمال المنطقة والثروات الطبيعية التي تتواجد بها، ومن حين لآخر يقوم بترجمة الحوار بيني وبين الإسبانيين اللذين على ما يبدو محدودي الرؤية فيما يخص تاريخ الصحراء الغربية والمراحل التي مرت بها. أثناء الطريق شاهدت خيمات، وزعم مرافقي أنها لصحراويين يغادرون المدينة في العطلة السنوية، نحو المناطق الريفية من أجل الإصطياف والإستمتاع بالطبيعة الخلابة.

من حين لآخر تعترضنا مواكب أو سيارات عسكرية، تبدو أنها في دوريات مراقبة، ونقل للجنود أو البضائع، مما يزيد من اليقين أن المنطقة عسكرية بإمتياز، وتخضع لإجراءات إستثنائية وطارئة، تختلف عما رأيته في كلميم وآسا مثلا.

في الطريق وقبل وصولنا إلى مركز مراقبة تابع للشرطة، إتصل بومبا بأحد المسؤولين وأخبرهم بأنه في رحلة إستطلاع مع ضيوف، ذكرني بالإسم أما الإسبانيين فقال أن معه نصارى. وعندما وصلنا للحاجز الأمني أشار لنا الشرطي بالمرور مقدما تحية نظامية، بالرغم من توقيفه لكل السيارات بإستثناء العسكرية منها، وعلى ما يبدو أنه تلقّى أوامرا من المسؤولين في الداخلة، ولما سألت مرافقنا عن أسباب طلبه هذا، أخبرني أن المنطقة عسكرية وتخضع لإجراءات أمنية إستثنائية وصارمة، ولو لم تعط الموافقة من السلطات ما سمحوا لنا نحن الغرباء بالتجوّل في ذلك المكان.

تراءت في الطريق خيمات متعددة وظهر أطفال في ظروف فقر مزرية، من خلال ملابسهم الرثة والممزقة، وأقدامهم الحافية، ووجوههم الشاحبة. وكذلك رأيت نساء يمارسن رعي بعض الماعز والغنم لا يتجاوز عددهم أصابع اليد. طلبت منه أن يأخذنا لنتواصل مع السكان في هذا المكان المقفر، ولكنه تماطل وفي ظل إصراري على ذلك، أخبرني أنه سيأخذنا إلى مكان جيد وآمن. بعد ما يقارب الثلاثين كيلومترا عن مدينة الداخلة، توقف صاحبنا في ظلام غبار العجلات والرمل الأبيض، أمام نسوة يحملن على ظهورهن أخشابا، وسألهن عن خيمة أحد معارفه، فدلونا عليها وكانت لا تبتعد كثيرا عن الموقع الذي نحن فيه.

دخلنا الخيمة ووجدنا رجلا في الثلاثينيات من عمره ومعه أطفال وشابان، كان أحدهم إسمه أحمد يدرس في الثانوي، وقد سعد كثيرا لرؤيتي وهو الذي يتابعني ويقرأ مقالاتي، وقد ذكر لي بعض العناوين التي نشرتها خاصة في الشروق اليومي، فسألته: “هل تقرأ الشروق؟”، أجاب: “هي جريدتنا نحن أيضا في الصحراء الغربية”، بل ذهب إلى أبعد من ذلك لما قال: “نحن لا نقرأ الصحف المغربية أبدا، نقوم من خلال مقهى الأنترنيت يوميا بتحميل الصحف الجزائرية وعلى رأسها جريدة الشروق التي هزمت الفضائيات المصرية”.

أحمد بعدما أخذ صورا تذكارية معي بهاتفه النقال، إسترسل في الحديث عن واقع الصحراويين المزري، حيث تحدث عن الحقرة واللامبالاة والظلم والتسلط والتهميش الذي يتعرضون له يوميا وبصفة دائمة، كما أكد لي ما أشرت له سابقا من أنه يمنع على الصحراويين الصيد، وكل من يتجرأ على فعل ذلك سيجد نفسه في قبضة عناصر الدرك الملكي، ووصف أن ثروات الداخلة السمكية صارت ملكا للجنرال بنسليمان.

لقد حاول مرافقنا بومبا أن يمنعه من الحديث سواء عن طريق تغيير الموضوع أو بالغمز والإشارات التي تنبهت لها، إلا أن أحمد أصرّ على نقل ما وصفها بـ “مأساة أهل الأرض تحت أقدام الغزاة”. والأمر نفسه بالنسبة لرفيقه الذي سأسميه ياسين، بدوره أكد لنا بصراحة على أنهم محقورين في أرضهم، وأن ثرواتهم تنهب في وضح النهار، عاقدا العزم على الدول الكبرى لتحرير الصحراء الغربية وتصفية الإستعمار.

أثناء ذلك الغضب الجامح الذي ظهر على الشاب أحمد وهو يروي لي معاناتهم مع الفقر والظلم والتسلط، نادى عليه بومبا وهمس له في أذنه، عرفت أنه يطلب منه السكوت وعدم كشف مثل هذه الأمور لي، بل سمعته يقول: “أنا جئت عندكم بضيوف وعيب أن يسمعوا منكم هذا الكلام”. لكن أحمد إبتسم بسخرية وعاد إلي مسترسلا: “أعرف أن الجزائريين شرفاء وهذه هي الحقيقة التي يجب أن تعرفها منا نحن سكان الصحراء وليس المغاربة الذين يحتلون بلادنا، أو المرتزقة من مثل هؤلاء”، وأشار بسبابته إلى صاحبنا الذي إسود وجهه من الحنق والغيض.

أما الأستاذ الجامعي الإسباني وشقيقه، فقد انشغلا بأخذ صور تذكارية للمكان، وأحيانا يستمع لترجمات يقوم بها صاحبنا، ولديّ شك في سلامة الترجمة، لأننا أحيانا نتحدث في أمر جدّي ومحزن عن إستغلال الأطفال بطرق لا تمت بصلة للقوانين الدولية، ولكن الأستاذ الجامعي بعدما يتلقى الترجمة بلغته الإسبانية التي لا يتقن سواها، يضحك مقهقها، مما يوحي أن الحال لم يصله كما هو.

لم يصبر صاحبنا كثيرا على إصرار أحمد وياسين على التحدث بصراحة، وإعلانهما مواقفا لا تتماشى وطموحاته التي أراد أن يوصلها لنا من خلال هؤلاء السكان، وزاد الطين بلة لديه هو تدخل صهرهم الذي كان قبلها يلتزم الصمت ويعدّ لنا الشاي، حيث قال بالحرف الواحد: “لن نقبل بالمغرب أبدا ولو نموت جميعا”، حينها وقف صاحبنا طالبا منا المغادرة، إلا أن الرجل صمم على توصيل فكرته قائلا: “لن نقبل إلا بالحرية التامة والكاملة”، فرد عليه صاحبنا: “الحكم الذاتي هو حرية كاملة لنا”، فرد عليه من دون أن يلتفت نحوه، بل سمر نظراته في وجهي وهو يقول: “الحرية التامة… الحرية التامة… ولن نقبل عنها أي بديل”.

غادرنا المكان الذي إختاره لنا صاحبنا بنوايا مسبقة ومبيتة، وتساءلت في قرارة نفسي عن الحال في الخيمات الأخرى، فالرجل هو من قصد بنا هؤلاء الأشخاص الذين على ما يبدو كان يعتقد مؤازرتهم له في نشاطاته، وبالرغم من ذلك وجدتهم ثائرين ضد المغرب وضد حتى من أمثال صاحبنا ومن معه، الذين وصفهم أحد المتحدثين بأنهم “مرتزقة لم يحققوا غايتهم مع الجبهة في الجزائر وإسبانيا، فلجئوا إلى المخزن يعرضون خدماتهم، وهم لا يساوون جناح بعوضة لدى الصحراويين الشرفاء”.

إتجه بنا صاحبنا الذي كان ناقما من أصحاب الخيمة التي إستقبلتنا، وراح يبرّر لنا تلك المواقف بأنها عدائية فقط ولا أساس لها من الصحة، فقلت له: “لماذا لم ترد عليهم في حينها؟”، فأجاب: “لا أريد أن أدخل في كلام لا أساس له”. قلت له: “لكن يظهر على ملامحهم الصدق وعلى واقعهم المزري ما يؤكد صحة أقوالهم”. تهرّب من الجواب بالتحدث إلى مرافقنا الإسباني فرناندو، إلا أنني أضفت له: “أعلم جيدا أننا نميز بين الكاذب والصادق، ولكن لما دخلت الداخلة ولم أجد لا مناشير ولا شعارات تحريضية على الجدران، كنت أعتقد أن البوليساريو لا اثر لها، ورحت أفتش عن الجبهة بين الجدران والشوارع والمحلات، ولكن بعد ثلاثة أيام لم أجد في قلوب الصحراويين سواها، وأما المغرب وإن ظهر عبر اللافتات وصور الملك والأعلام، إلا أنه لا مكان له بين الصحراويين”، وأضفت مؤكدا له: “هل يعقل أنني لما وصلت رحت أفتش عن البوليساريو في المدينة التي تلبس حلة هادئة، وعندما حان وقت المغادرة لم أجد سوى البوليساريو برغم أنك تطمسون معالمها في كل شيء، والأمر الواحد الذي عجزتم فيه هو عمق الشعب الصحراوي الذي صعب أن ينال منه”.

لما كنا نستعد للذهاب نحو المطار، ونحن قبالة الساحة الرئيسية للمدينة، تقدم منا شخص في الأربعينات من عمره، وقد تعرف علي من قبل وتابع محاضرتي، طلب مني أن أفضح الظروف والممارسات ومأساة الصحراويين في الداخلة والعيون والسمارة وباقي المناطق الأخرى، بل هب يهاجم من وصفهم بالخونة، الذين يريدون المتاجرة وكسب المال وودّ المخزن على حساب الفقراء والمساكين وحقوق الصحراويين، بل غمز حتى الجمعيات التي تنشط بإيعاز من الحكومة المغربية، من أجل تفعيل ما تسمى “الدبلوماسية الموازية” لتجنيد المجتمع المدني الصحراوي، ضد خيارهم التاريخي.

وأضاف المتحدث نفسه وبحديث متقاطع ومضطرب: “نحن كصحراويين لا نحب إلا الحق والرجال… الجزائريين أبطال…”. وذهب أبعد من ذلك ونكاية في رئيس الجمعية الذي كان معنا: “نحن نحب الرئيس الفحل هواري بومدين… لا نكره إلا الخونة والمرتزقة… أنا شخصيا أريد الحرية أكره العبودية”، ويزيد: “لم ولن أقبّل يد أحد ولو يكون ملكا إبن ملك وجده ملك”… ثم هم بالمغادرة ولسانه يردد كلاما فيه السب والشتم للمغرب والخونة والمرتزقة كما كان يقول، ويلعن الفقر والميزيرية، ولكنه في خضم ثورته طلب مني أن أبلغ سلامه لكل الجزائريين والأحرار. ولما ابتعد عنّا إلتفت إليّ أحد المنظمين قائلا: “إنه مخمور ومختل عقليا”، فقلت له: “الرجل واعي ويعرف ما يقول، وهل كل من يخالفكم الرأي تتهمونه بالجنون؟”.

وداعا أيتها الداخلة قد لا نلتقي أبدا

في الساعة التاسعة والنصف من مساء الأربعاء 28 جويلية، غادرت الداخلة نحو أكادير، ولم أكن كما وصلت أول مرة، فقد جئت من أجل الحقيقة، وتوصلت إليها على مدار ثلاثة أيام ولو بقيت أكثر من ذلك لوجدت ما يعجز حبري على إحتواءه. لقد قررت أن أنقل مشاهداتي بصدق وأمانة من دون التحيز لأي طرف كان، فقد عرف عنّي ذلك منذ سنوات، والشيء المؤكد في رحلتي هذه أنه برغم ما يبذل من جهد وما تصرف من أموال ضخمة، وبرغم التشويه والتعتيم والحصار الذي يلف عنق الصحراويين في هذه البلاد المنكوبة، إلا أنني وجدتهم كالطود الشامخ، بينهم من يختلف في بعض أطروحات البوليساريو، وآخرون ينتقدون ويخالفون بعض المسؤولين في الجبهة، بل يوجد حتى من يرفض بعض المواقف، لكن الشيء الوحيد الذي لا يختلف فيه بينهم على الإطلاق هو تقرير المصير.

أما الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب فلم ألمس عنه شيئا لدى السكان الحقيقيين في هذه المدينة التاريخية وكل ضواحيها التي وقفت بها، ولو تعمقت أكثر لربما خرجت مبهورا من إرادة هؤلاء التي لم يزعزعها الإذلال والتجويع والتفقير والتيئيس الممنهج والمسلط على رقابهم.

في الختام اشهد الله أنني لم أقل إلا الحقيقة، وأقسم به تعالى أنه لم أنحاز إلى أي أطروحة مهما كان شأنها، بل كنت باحثا استجلي الأكمه وما وراءها، وفي الميدان وليس عبر أجهزة الحاسوب أو في الإستديوهات المكيفة. لقد صممت أن أنقلها لله ثم للتاريخ، كما وجدتها من دون تحيز أو تغيير أو تلوين أو أدنى تحفظ، كما أعلم أنني سأتعرض للسخط وحملات تشويه جديدة، لكن لا يهم فقد ألفت ذلك، وكل شيء يهون من أجل الحق والحقيقة.

كما أؤكد على أن هذه الرحلة كانت فرصة العمر بالنسبة لي، وربما ستكون الأخيرة، وقد غيرت في ذهني الكثير من الحسابات والتصورات والمعطيات، بحكم ما لمسته في أرض الواقع، وليس ما نقرأه ونجده في وكالات الأنباء والصحف والفضائيات والمواقع والمنتديات…  وبحق كانت ثلاثة أيام في الصحراء الغربية ومع شعب طيب وصبور لا يؤمن إلا بتقرير المصير ولا يخضع لأي أجندات أو إملاءات أو إغراءات… فوداعا أيتها الداخلة الشماء.

للاطلاع على التحقيق في موقع الشروق أونلاين أضغط هنا

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom